العودة للتصفح
عَبَثاً تُحَاوِلُ أَنْ تَكُفَّ الأَدْمُعَا
وَأَبُوكَ أَمْسَى رَاحِلَا مُسْتَوْدَعَا
كَيْفَ السُّلُو وَمَا مَرَرْتَ بِمَوْضِعِ
إِلا وَسَادَ الحُزْنُ ذَاكَ الْمَوضِعَا
كَيفَ السُّلُو وَمَا مَرَرْتَ بِمُعْدَمٍ
إلا وأجْهَشَ بالبُكَاءِ مُرَجِّعَا
كَيْفَ العَزَاءُ وَقَدْ تَغَيَّبَ بَدْرُنَا
عَنَّا فَأَمْسَى الكونُ أَسْوَدَ أَسْفَعَا
يا عينُ جُودِي بِالدُّمُوعِ عَلَى امْرِيءٍ
جَعَلَ العَصِيَّ مِنَ الْمَكَارِمِ طَيِّعَا
مَا زَالَ مُذْ بَلَغَ الفِطَامَ مُشَمِّرًا
للمجْدِ صَبًّا بِالمَكَارِمِ مُولَعًا
حَتَّى حَوَتْ كُلَّ الفَخَارِ وَأَذْعَنَتْ
لِعُلَاهُ أَصْحَابُ المَعَالِي رُكَّعَا
مَا مَاتَ حَتَّى مَاتَ كُلُّ فَضِيلةٍ
وَاهْتَز عَرْشُ سَمَائِهَا وَتَزَعْزَعَا
يَا طَالِبَ الإِحْسَانِ يَخْتَبِطُ الفَلا
أَقْصِرْ فَهَذَا السَّعْيُ صَارَ مُضَيَّعا
قَدْ مَاتَ مَنْ يَهَبُ الجَزِيلَ فَلا تَكُنْ
في البَذْلِ بَعْدَ (أَبي كَثِيرٍ) مُطْمَعَا
كَنْزُ العَدِيمِ وَمَوْئِلُ المِسْكِينِ مَنْ
عَمَّ الشَ ّيُوخَ عَطَاؤُهُ والرُّضَّعَا
جَمُّ الْمَفَاخِرِ وَالْمَنَاقِبِ (أَحْمَدُ) الـ
ـمِفْضَالُ مَنْ حَازَ الفَخَارَ مُنَوَّعا
كَرَمًا يَفِيضُ عَلَى الأَنَامِ وَهِمَةً
شَمَّاءَ لَا تَرْضَى الْمَجَرَّةَ مَوْضِعا
عِلْمًا وَحِلْمًا واسِعَيْنِ وَسُوْدَدًا
يَطَأُ السُّهَى، وَتَوَاضُعًا وَتَرَفُّعا
أخْلاقُهُ تَحْكِي النَّسِيمَ طَلاقَةً
وصِفَاتُهُ تُعْيِي البَليغَ المِصْقِعا
فاتَ المذاكِي فِي مَيَادِينِ العُلَى
سَبْقًا وَغَادَرَهَا رَوازِحَ ظُلَّعَا
حَسَدَ الزَّمَانُ عَلَى الْوَرَى أَيَّامَهُ
فابْتَزَّهَا مِنْهُمْ وَلَمْ يَتَوَرَّعا
يَا غَافِلاً وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِغَافِلٍ
إعْلَمْ بِأَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مَصْرَعَا
يَا مَنْ يُدِلُّ عَلَى الزَّمَانِ بِبَأْسِهِ
هَلْ غَادَرَتْ (كِسْرَى) المَنُونُ و(تُبَّعَا)
بالابسَاً حُلَلَا يَجُرُّ ذُيولَهَا
تيهاً سَتَلْبَسُ حُلَّةً لَنْ تُنْزَعَا
يَا رَاكِبًا مَتْنَ الذُّنُوبِ مَطيِّةً
قَدْ آنَ مِنْهَا أَنْ تَتُوبَ وَتُقْلِعَا
أعْدِدْ لَمَوْتِكَ عُدَّةَ فَلَقَدْ يَجي
مَا لَيْسَ فِي نَفْسِ الفَتَى مُتَوَقَّعَا
وَأَفِقْ مِنَ النَّومِ العَمِيقِ أَمَا تَرَى
سُمْرُ المَنايَا فَوْقَ رَأْسِكَ شُرَّعا
فَلْتُقْصِرَنَّ عَنِ الغِوَايَةِ إِنَّهَا
نَدَمٌ عَوَاقِبُهَا وَبِئْسَتْ مَهْيَعا
تَبًّا لهذَا الدَّهْرِ يَصْرَعُ أَهْلَهُ
وَيُحِلُّهُمْ بَعَدَ القُصُورِ البَلْقَعا
والمَوتُ غَايَةُ كُلِّ ذِي روحٍ فَلا
يَذَرُ البُزاةَ وَلَا الغُرَابَ الْأَبْقَعا
لا يَرْحَمُ الرَّجلَ الضَّعِيفَ قُوىً ولا
يَخْشَى الكَميَّ مُدَجَّجاً وَمُقَنَّعا
وَالعَيشُ أَضْيَقُ ضَيِّقٍ لَكِنْ إِذا
مَا حَلَّتِ الْآمَالُ فِيهِ تَوَسّعَا
وَلَقَدْ سَئمْتُ العَيْشَ في الدُّنْيَا وَسِنْـ
ـنّي لا يُجاوِزُ أرْبَعاً في وَأَرْبَعَا
عِلْمًا بأنَّ سُرُورَهَا لا يَنتَهِي إلا
إلَى حُزْنٍ يَهُدُّ الأضْلُعا
آهٍ وَهَلْ يُجْدِي إِذَا حَلَّ القَضَا
آهٍ وَمَا يُجْدِيكَ أنْ تَتَوَجَّعَا
غَاضَ النَّدَى فِي لَيْلَةٍ مَنْحُوسَةٍ
يا لَيْتَ فَجْرَ صَبَاحِها لم يَطلُعَا
بِتْنَا بِهَا مُتَمَلْمِلِينَ وَسُهَّدًا
كُحِلَتْ مَآقِينَا ذُعَافًا مُنْقَعَا
أَغْشَى عَلَيَّ مِنَ الأَسَى فِيهَا وَمَا اسْـ
ـتيقظتُ إِلا بِاكِيًا مُسْتَرْجِعَا
اللهُ أَكْبَرُ يَا لَهَا مِنْ فَجْعَةٍ
أَمْسَى لهَا خَدُّ المَكَارِمِ أَضْرَعا
وَتَنَكَّرَتْ فِي عَيْنِيَ الدُّنْيَا فَهَا
أنا ذا أَرَاهَا كَالخَيَالِ مُوَدِّعَا
الله أكبرُ يا لَتِلْكَ مُصِيبةً
كَادَتْ لَهَا الْأَجْبَالُ أَنْ تَتَصَدَّعَا
الله أكْبَرُ يَا لَتِلْكَ رَزِيّةً
كَادَتْ لَهَا الْأَكْبَادُ أَنْ تَتَقَطَّعَا
خَطْبٌ أَلَمَّ بِقَلْبٍ كُلِّ مُوَحِدٍ
للهُ مَا أَنكَى الْمُصَابَ وَأَوْجَعَا
حُزْنٌ تَسَاوَى النَّاسُ فِيهِ كَأَنَّهُ
جُودُ الفَقِيدِ عَلَى الْأَنَامِ مُوَزَّعَا
مَا خَصَّ ذَا الرُّزُءُ الْأَقارِبَ وَحْدَهُمْ
لِكِنَّهُ عَمَّ الخلائق أجْمَعَا
أبْكِي عَلَى كَهْفِ الوَرَى أَبْكِي على
مَنْ كَانَ بَحْرُ يَمِينِهِ مُتَدِفِّعَا
أبكي المهيبَ المُرتَجى أبْكي الّذي
ألِفَ النَّدَى مُذْ كَانَ طِفْلاً مُرْضَعَا
شَهِدَ الزَّمَانُ بِفَضْلِهِ، وَبِشُكْرِهِ
نَطَقَ الأَنامُ مُنَظَّماَ وَمُسَجَّعا
أبكي التَّقي الأريَحي الجَهْبَذَ النِ
دْسَ الزَّكِيَّ الْمُسْتَطَابَ الأَرْوَعَا
يَسْعَى لحَاجَاتِ الأنامِ بِقَوْلِه
وَبِفِعْلِهِ وَببِذلِهِ مُتَبَرِّعا
يَقْضِي اللّيالي قَائما مُتَعَبدًا
مُتَهَجِّدًا مُتَنَفِّلَا مُتَطَوِّعا
وَيُرَتِّلُ القُرآنَ فِي غَسَقِ الدُّجَى
شَجْوَا يُسِيلُ مِنَ الْمَصِيخِ الْأَدْمُعَا
يَمْشِي عَلَى الغَبْرَاءِ هَوْنًا خَائِفًا
مِنْ رَبِّهِ مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعَا
فُقِدَ السَّخَاءُ بِفَقْدِهِ وَبِمَوْتِهِ
رُكْنَا الْمَكَارِمِ والتَّقَى انهَدَّا مَعَا
مَنْ لِلْيَتَامَى وَالْأَرَامِلِ بَعْدَهُ
تُلْفِي لَدَيْهِ قِرَى وَجُودًا أَوْسَعَا
مَنْ لِلْفَقِيرِ يَلِجُّ في الشَّكْوَى فَيُنْ
قِذَهُ مِنَ البَلْوَى وَيَنْفِي المَطْمَعَا
يا فَوْزَهُ يَمْضِي إِلَى الرَّحْمَانِ فِي
جَنَّاتٍ عَدْنٍ بِالرِّضَى مُتَمَتِّعَا
قَدْ فَارَقَ الدُّنْيَا وَجَاوَرَ بَعْدَهَا
رباً كريمًا يَسْتَجِيبُ لمَنْ دَعَا
لما دَعَا دَاعِي الحِمَامِ: أَجِبْ نِدَا الـ
ـباري، أبا الأيتام، لبّى مُسْرِعا
وَاخْتَارَ دَارَ الخُلْدِ مِنْ دَارِ الفَنَا
فَمَضَى سَلِيمَ الْعِرْضِ لَيْسَ مُرَقَّعَا
وَمَضَى طَلِيقاً وَجْهُهُ مُسْتَيْقِنَاً
أنْ لَيْسَ للإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى
فاللَّهُ يَرْحَمُهُ وَيَجْعَلُ قَبْرَه
رَوْضًا فَسِيحًا مُسْتَنِيرًا مُمْرِعا
وَيُذِيقُهُ بَرْدَ الرِّضَى وَيُحِلُّهُ
في جَنَّةِ الفِرْدَوْس قَصْرًا أَرْفَعَا
يا أَيُّهَا الشَّهُمُ الكريمُ المُنتَهى
مَنْ كَانَ حِصْنًا للأَنَامِ وَمَفْزَعا
مَاذَا دَهَاكَ مِنَ الحَوَادِثِ فَاغْتَدَى
طَوْدُ العُلَا مِنْ هَوْلِهِ مَتَضَعْضِعَا
لهَفِي عَلَيْكَ فَبَعْدَ مَصْرَعِكَ النَّدَى
حَتَّى القِيَامَةِ بابُهُ لَنْ يُقْرَعَا
حَمَلُوكَ فَوْقَ رِقَابِهِمْ وَمَضَوْا فَلَمْ
يَكُ غَيْرَ لَمْحَةِ بَارِقٍ أَوْ أَسْرَعَا
حَتَّى أَتَوْا تِلْكَ القُبُورِ فَأَضْجَعُو
كَ عَلَى الثَّرَى وَهَنَأتَ ثَمَّ المَضْجَعَا
وَإذَا التُّرابُ أَهِيلَ فَوْقَكَ أَيْقَنُوا
بَعْدَ احْتِجَابِكَ فِيهِ أَنْ لَنْ تَرْجِعَا
فَبَكَوْا بُكَاءَ الثَّاكِلاتِ عَلى مُحيَّ
اكَ الكَرِيمِ فَلَمْ يُبَقُّوا مَدْمَعَا
يَا وَيْحَهُمْ دَفَنُوا المَكَارِمَ في الثَّرى
والجُودَ وَالمَجْدَ التَّلِيدَ الأَتْلَعَا
أعزِزُ عَلَيَّ بِأَنْ أَرَاكَ مُكَفَّنَا
أعْزِزْ عَلَيَّ بِأَنْ أَرَاكَ مُشَيَّعا
فَكَأَنَّنِي بِكَ فِي احْتِضَارِكَ قَائِلاً:
لا رَبَّ غَيْرُ اللَّهِ تَرْفَعُ إِصْبَعا
أَعْزِزُ عَلَيَّ بِأَنْ أَرَاكَ مُوَسَّدًا
تَحتَ التُّرَابِ وَرَاحِلا مَا وَدَّعَا
أنَّى لِعَيْنِكَ أَنْ تَرَى مَا حَلَّ بي
أَنَّى لأَذْنِكَ أَنْ تُصِيخَ وَتَسْمَعَا
أعزِزْ عَلَيَّ بَأنْ أَرَاكَ حَلَلْتَ بَعْـ
ـدَ الدُّورِ قَبْرًا في فَلاةٍ بَلْقَعَا
أعْزِزْ عَلَيَّ بِأَنْ أَرَى مَنْ يَأْمَلُو
نَكَ سَاهِرِينَ أَسَى وَكَانُوا هُجَّعَا
لَكِنَّ فِي مَوْتِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ
مِنْ أُسْوَةِ لِذَوِي المَصَائِبِ مَقْنَعَا
فَاذْهَبْ عَلَيْكَ سَلامُ رَبِّكَ دائِماً
يَغْشَى ثَرَاكَ عَبِيرُهُ مُتَضَوِّعا
صَلَّى عَلَيْكَ اللهُ بَعْدَ مُحَمَّدٍ
والآلِ وَالصَّحْبِ الأَكَارِمِ أَجْمَعَا
مَا أَجْهَشَ البَاكِي وَخَاطَبَ نَفْسَهُ:
عَبَثاً تُحاوِلُ أَنْ تَكُفَّ الأَدْمُعَا
يرثي بها والده أحمد بن محمد بن أحمد باكثير
قصائد رثاء حرف ع