العودة للتصفح

مقاطع من قصّة الرّسول الذي لم يركب حصاناً قطْ

عبد الخالق كيطان
1.
كان من الممكن أن يهبطَ أرضاً غير هذه
لم يكن في الأمر معجزةً أو حتى عثرة حظ
لقد وقف في مركز صحراءٍ قاحلة
تلفّت كثيراً
ثم سار في الاتجاه الذي سيشيّدُ فيه خيمة
خيمته هو
أما الذين تهرّأت أجسادُهم من رحلات النفي المستمرة
فلم يجدوا أخيراً غير ظلّ خيمة
ركعت أبلُهم
تمطّت كلابُهم
ووضع نسوتُهم القدورَ على النار أخيراً
2.
مصر لم تعد ترسل الهدايا
مصر يحيطها بحرٌ وصحراء، ثم بشر أجلاف
مصر التي يفتح أبناؤها الشبابيك فلا تجد من يغلقها
دهمها صوتُ الخيول وهي تعدو مسرعة
خمسٌ وعشرون فارساً يحملون رؤوس الحكماء على أسنّة الرماح
ومن خلفهم قارعو الطبول
الطبول الضخمة
التي تصيب الفقراءَ بالطّرش
3.
وفي أواسط العراق نُحرت الخراف
رجالٌ ضخامٌ يدفعون دناناً من النبيذ عمرها بعمر هذي البلاد
كانت الخرافُ قد علّقت الآن على سياخِ الشواء
وأُجبرت النسوةُ على التعري، ومن ثم الرقص
في بابل كانت المرأةُ تخدم
وها هي تخدمُ أيضاً
الكهنةُ الذين شكّلوا حلقةً من نارٍ حول سيّدهم
باركوا العُري
باركوا النبيذ
وباركوا اللحمَ المشوي
كلّ شيء هنا يكملُ بعضَه البعض
إلا أن لفحَ الصحراءِ كان قاسياً
المدنُ المشيّدةُ على ضفاف الانهار كانت قد بدأت النحيب
لقد سَلبَ الكهنةُ نسائَهم ونبيذَهم وأغنامَهم
ولم يتركوا لهم غير أغنيةٍ حزينةٍ يرددونها في كلّ عام
أغنيةٌ بطلُها رجلٌ وسيمٌ أحاط به خمسٌ وعشرون حكيماً قبل أن يسلخوا جلده
4.
كان المطر قد توقّفَ عندما دخل القريةَ رجلٌ يعتلي جواداً
الأرضُ موحلةٌ
والناسُ بلا هدى يبحثون عمّا يسدُّ رمقَ الأطفال في هذا الشتاء اللعين
أصاخَ الرجلُ أسماعَه
هاله الأنينُ الذي لا ينقطع وهو يخرجُ من بيوت القرية
تذكّر البحيرةَ التي مرً بها قبل وصوله بزمنٍ يسير
لم يكن ذلك حلماً
الذين تجمّعوا الآن قادمون من مختلف الأصقاع
بينهم رجالٌ ضخامٌ، فتيانٌ بوجوهٍ أنثوية، نساءٌ بلا ملامح
آخرون بعيونٍ مستطيلة
لا جياد هنا
ثمّة الكثير من البيارق، والقليل النادر من الماء
ثمّة الكثير من أسياخ الحديد، والقليل النادر من الجاموس
لا جياد هنا
لا ريب في أن الرجل الذي مرّ من هنا قبل هنيهة بدا متجهماً
كان هو
هو وليس سواه، الذي مرّر يديه على رأس غلام فتطايرت من حوله رؤوس الرجال
من هو؟
الرسول الذي لم يعرف أبداً شكلَ الخيول
ومع ذلك
يأكلُ من لحمِها كل مساء
5.
أتت الفؤوسُ على الكثير من التماثيل
وتكفّلَ القحطُ الذي مرّت به الأرضُ باقتلاع الأشجار
6.
هذه الأكاذيب النديّة
يلقيها على الناس
فتزهرُ على الفور قبوراً
7.
نحن هنا لأننا نريد أن نبقى هنا
سنظلُّ نغنّي في المساءات الحزينة، وقبل أن نهجعَ إلى مضاجعنا،
الأغنيةُ ذاتُها التي أنشدها أسلافنا
أغنيةٌ عن الفتيان الذين يأخذهم الكاهنُ في كلِّ فجر لكي يُلقي بهم إلى فمٍ مفتوحٍ، ثم يعود إلينا
ببضعةِ ربطاتٍ من الخبز.
وبينما ننهمكُ بالتهام الخبز يكون كاهنُنا قد خلد إلى النوم مطمئناً
نحن هنا لأننا نريدُ أن نبقى هنا
سيتجمّع المئاتُ من الرجال الأشدّاء
وسيلوّحون لأعناقِنا بسيوفِهم
ولكننا سنبقى هنا
حتى لو لم يصل الرسولُ الذي انتظرناه العمر كله
حتى لو سمعنا أن هؤلاء الرجال قد قطّعوا أوصالَه في الصحراء
سنبقى هنا لأننا نريد أن نبقى هنا
*****
سيدني في
30/9/2015
قصائد سياسية