العودة للتصفح

خواطر حول سلوا قلبي 3

علاء جانب
بعد أن بدأ شاعرنا الأمير أحمد بك شوقي أمير الشعراء بحديث الغزل في الأبيات الأولى .. ثم انتقل ببراعة وتحول إلى الحديث عن الدنيا وتقلب أحوالها ..
إنه تسلسل وتمهيد .. تسلسلٌ يتبدى في الترتيب العجيب لمواقع المعاني وتزاحمها وتجاورها ، وانجذابها إلى مغناطيس الوزن والقافية ..
وتمهيد لموضوع تليق به الجدية والرزانة والحشمة والوقار .. فأنت عمّا قليل داخل إلى حضرة رسول الله ومتحدث في جنابه الشريف ومخاطب له مخاطبة المتحدث للسامع .. فالحكمة واجبة ..
إن أول ما يتكون من القصيدة مطلعها وتكون معاني القصائد في النفوس غوامض ضبابيات حتى يقبض الشاعر على نغمته وتكون أول ما ما تكون مبهمة مثل غمغمة المتحدث إلى نفسه تظلّ تتضح ويتعالى صوتها وينماز ملمحها بين ضجيج العصف الوجداني .. من الأصوات والصور والألوان وما تنثره الذاكرة
ومع المطلع تولد القصيدة في النفس لكنها تكون كالقوة الدافعة فتتدفق الأبيات للتعبير عن المهم ثم الأهم .. حتى يفرغ الشاعر من قصيدته فيفرغ معها نفثة المصدور أو فرحة المقرور أو سكرة المخمور أو سمادير المغرور.. أو أمن الآمن أو ذعر المذعور ..
فهناك مسافة من التعقيدات تمر بها القصيدة من نغم يتحول فكرة ثم تتحول الفكرة لغة ثم توفيقا بين الكلام ومعانيه .. ثم الشكل الفني المتكامل …
والقصيدة مولود يحوي كثيرا من التشابكات والتقاطعات والتناصات وتبدو على ملامحه ألوان ودلائل من نفس الإنسان وروحه وثقافته ومعرفته ..
فتجد الدين والفلسفة والنفس والمحتمع والأعراف الفنية والاجتماعية ..
تشتبك القصيدة مرة مع ذاكرتها من أسلافها ومرة مع الآنيّ الرّاهن من أقرانها .. ومرة مع الفنون الأخرى ..
وبين هذه التحديات تتغير مسودات القصيدة حتى قد تصل إلى مسودات كثيرة ..
بحيث نتج عن ظاهرة تعدد المسودات فرع من الدرس النقدي مستقل اسمه النقد التكويني ..
وهو نوع من النقد " يهدف إلى استبصار عملية نشوء النص وتحوّله وتطوّره، وكيف تحول النص من فكرة أولية إلى عمل مكتمل.
ويعتمد أول ما يعتمد على تحليل المخطوطات، والمسودات، والوثائق المساعدة التي تساهم في تكوين النص، ولا يهتم بالنص المطبوع النهائي فقط"..
بهدف معرفة مقصد المؤلف ، وسياق النص ، وفلسفة المبدع في التغيير ..
إن القصيدة تحمل نظرة إنسانية للإنسان المغتر بها وهي لا أمان لها حين تقرر الانقلاب على صاحبها فتصيب الفقير بالغنى والغني بالفقر
ثم يعود شوقي في القصيدة الى قضية الظلم والعدل .. وحق الفقراء في مال الله عند الأغنياء ..
وحق الدنيا على من كان فقيرا أن يجرب خوض بحر الحياة .. ولكن بحق الله باتباع النموذج الإنساني الكامل المكمل متمثلا في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان وجوده نورا فوق ثورات البشر عالج الحياة بوحي رباني ولكنه سعى فيها حق السعي .. وقد حذر شوقي من الدنيا :
فَمَن يَغتَرُّ بِالدُنيا فَإِنّي
لَبِستُ بِها فَأَبلَيتُ الثِيابا
لَها ضَحِكُ القِيانِ إِلى غَبِيٍّ
وَلي ضَحِكُ اللَبيبِ إِذا تَغابى
جَنَيتُ بِرَوضِها وَرداً وَشَوكاً
وَذُقتُ بِكَأسِها شُهداً وَصابا
فَلَم أَرَ غَيرَ حُكمِ اللَهِ حُكماً
وَلَم أَرَ دونَ بابِ اللَهِ بابا
إن حكم الله وتنفيذه هو ميزان الحياة وقسطاسها المستقيم فمن يعرف باب الله يبحث عن القيمة من الحياة ويتساءل أتستحق الدنيا في ذاتها تعظيما إن في الدنيا ملذات أخرى .. ملذات النجاح وتحصيل المجد والأدب والعلم :
وَلا عَظَّمتُ في الأَشياءِ إِلّا
صَحيحَ العِلمِ وَالأَدَبِ اللُبابا
سبب الفقر المباشر هو جشع التجار والممسكين بالمال ليكون دولة بين الأغنياء .. والغنى ليس عيبا بل يأمرنا الله بالبحث عن أسباب الغنى والاستغناء؛ لذا فالبخلاء الجشعون مذمون في كل زمن وشعب وملة وعكسهم الكرماء ممدوحون في كل زمن وشعب وملة..
لأن البخلاء يسيرون عكس ما يريد الله من كريم الصفات لعباده ..
والكرماء يتخذون من اسم الكريم صفة لهم فيستحقون التكريم ..
وَلا كَرَّمتُ إِلّا وَجهَ حُرٍّ
يُقَلِّدُ قَومَهُ المِنَنَ الرَغابا
وَلَم أَرَ مِثلَ جَمعِ المالِ داءً
وَلا مِثلَ البَخيلِ بِهِ مُصابا
فَلا تَقتُلكَ شَهوَتُهُ وَزِنها
كَما تَزِنُ الطَعامَ أَوِ الشَرابا
ومن صفات شوقي في الشعر أنه يطيل المقدمات ويبسط تمهيدا معنويا وموسيقيا تبدأ الحكمة فيه مع السؤال الماكر .. يوهمنا أنه يتحدث في الغزل وأول ما قال لنا :"غداة سلا" فقد تحول عن حياة اللهو وسلا قلبه الشباب والصبا وجرت الحكمة على لسانه وتمخضت عنها خبراته .. فهو يرود الطريق ويتحسس المدخل ويتلطف في كيفية الدخول إلى باب الله .. لكنه بنساق وراء سرد الحكم العالية وكأني به يذكر قوله صلى الله عليه وسلم "وإن من الشعر لحكمة " .. إن إنفاق المال فيما لا ينفع سينقلب حسرة على الأب الذي يجب ان يأخذ لبنيه ولأيام كبره زادها :
وَخُذ لِبَنيكَ وَالأَيّامِ ذُخراً
وَأَعطِ اللَهَ حِصَّتَهُ اِحتِسابا
هل يصحّ أن يعطي العبد ربّه؟ شوقي يقول وأعط الله حصته .. والحق أن الله العزيز الكريم هو المعطي فكيف يقول الشاعر ما قال؟!
والمولى سبحانه قال الكلمة في القرآن بلفظ آخر :" مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " البقرة
وقيل في معنى الإقراض كلام للمفسرين ..
أعط الله هنا تعبير مجازي بحذف المضاف يعني : أعط خلق الله الفقراء حصتهم
ويجوز : أن يكون الإعطاء بمعنى الادخار ولذلك قال احتسابا ..
ثم يدخل الشاعر مرحلة جديدة في الأبيات القادمة عن قضية الظلم والعدل الذي تحتاج إليه الدنيا لتستقر .. تمهيدا لمديح من جاء فأقر العدل بين الكائنات ..
فإلى لقاء قادم..
قصائد مدح