العودة للتصفح

خواطر حول سلوا قلبي 4

علاء جانب
لقد بدأت القصيدة متحدرة الحركات متلاحقة المقاطع والنغمات مذ بدأ الشاعر يترك الحديث عن الدنيا وأن المرء يجب ألا يغتر بها ولا يركن إليها فيسوق ذلك في صور متقابلة تحكي تجاور المتضادات وتضاد المتجاورات ..
فتحسس معه الورد والشوك، وتذوق معه الشهد والمرّ وهو يقول :
جَنَيتُ بِرَوضِها وَرداً وَشَوكاً
وَذُقتُ بِكَأسِها شَهداً وَصابا
وفي الشهد رواية أخرى تضم الشين فتقول "شُهداً" ولكن الفتح أفصح وأعم كما قرره ابن مكي في تثقيف اللسان وتلقيح الجنان..
ماذا كانت نتيجة التقلب في شدة الدهر وشراسته ولينه وخشونته وحزونه؟! ..
كل شيء يزول وكل الأبواب تنغلق إلا باب الله .. أيكون باب الله في التقرب إليه بالطاعات والعوذ به من جميع الآفات؟! أم يكون باب الله هو رسول الله في رجاء شفاعته والتقرب من حضرته وتمثل سيرته؟!
فَلَم أَرَ غَيرَ حُكمِ اللَهِ حُكماً
وَلَم أَرَ دونَ بابِ اللَهِ بابا
البيت كما ترى مبنيّ على هندسة دقيقة بكف مهندس بناء فنان .. انظر إلى الوحدات اللغوية :
لم / أر / غير / حكم الله / حكماً
لم / أر / دون / باب الله / بابا
هذا من حيث هندسة البناء النحوي التركيبي للأبيات ..
توازيه هندسة موسيقية التفعيلة المجردة
فلم أر غيـ / رحكمللا / ـه حكمن
ولم أر دو / ن بابللا / ـه بابا
فانظر نهاية كل تفعيلة تجدها ومنتهية إلى حرف لين ينوع فيها الشاعر بين الياء والواو والألف ..
توازي ذلك هندسة في تجانس انتظام الحروف بعضها إلى بعض في جرس متآلف ونغم محتشد متحالف ..
كل ذلك يقوم بالمعني، ويقوم به المعنى في بناء بهيّ يليق بالحكمة السابقة التي توجت الفقرة الأولى من القصيدة ..
ثم يخفت نفس شوقي بعد هذه الأبيات ويضعف بناؤه فيقول كلاما عاديا لا معنى له إلا الفخر الأجوف الذي يبدو لي أن شوقي رحمه الله كان فيه خفيض الصوت..
صحيح أنها أبيات تعبر عن ذات شوقي ونفسه النبيلة لكنه كأنه لم يعرها اهتماما وكأني به بدا يتعجل الحديث عن موضوع النص .. فيسرد الكلام بغير كبير اكتراث
وَلا عَظَّمتُ في الأَشياءِ إِلّا
صَحيحَ العِلمِ وَالأَدَب اللُبابا
وَلا كَرَّمتُ إِلّا وَجهَ حُرٍّ
يُقَلِّدُ قَومَهُ المِنَنَ الرَغابا
وَلَم أَرَ مِثلَ جَمعِ المالِ داءً
وَلا مِثلَ البَخيلِ بِهِ مُصابا
معان مطروقة كما ترى .. يعتمد شوقي في طرحها على رشاقة كلماته وصنعته الفائقة فالمناسبة والتعالق بين الكلمات في البيت السابق بين : لا ولم والبخل وجمع المال والمصاب والداء .. غير أنه يشرع نحو اليقظة فيأتي بصورة جديدة إذ يرى شهوة المال كشهوة الطعام والشراب يضر بها الإسراف كما يضر بها التقتير لذا وجب على العاقل أن يرعى فيه وفيهما الاعتدال .. لكي لا تقتله الشهوة..
فَلا تَقتُلكَ شَهوَتُهُ وَزِنها
كَما تَزِنُ الطَعامَ أَوِ الشَرابا
وَخُذ لِبَنيكَ وَالأَيّامِ ذُخراً
وَأَعطِ اللَهَ حِصَّتَهُ اِحتِسابا
فَلَو طالَعتَ أَحداثَ اللَيالي
وَجَدتَ الفَقرَ أَقرَبَها اِنتِيابا
البيت السابق فيه أثارة من التاريخ فقد كان شواقي محبا واسع الاطلاع في قراءة تواريخ الأمم والشعوب .. والقارئ للتاريخ يعرف أن الزمان كالدولاب يرفع أقواما ويخفض آخرين ..
كما يقول الشاعر القديم :
إذا ما الدهر جر على أناس
كلاكله أناخ بآخرين
إن المدرسة الكلاسيكية الجديدة التي ينتمي لها شوقي في التقسيم الدراسي تعنى كثيرا بالتعاليم الأخلاقية والدينية فأدبهم أدب عال يصلح ويتلاءم مع فخامة حياته وأناقة مظهره ..
لذلك يبحث هؤلاء عن حسن الختام ويهتمون بما يضبط الحياة وينال الثواب ..
وَأَنَّ البِرَّ خَيرٌ في حَياةٍ
وَأَبقى بَعدَ صاحِبِهِ ثَوابا
وَأَنَّ الشَرَّ يَصدَعُ فاعِليهِ
وَلَم أَرَ خَيِّراً بِالشَرِّ آبا
فَرِفقاً بِالبَنينِ إِذا اللَيالي
عَلى الأَعقابِ أَوقَعَتِ العِقابا
وَلَم يَتَقَلَّدوا شُكرَ اليَتامى
وَلا اِدَّرَعوا الدُعاءَ المُستَجابا
لكن شوقي سرعان ما يفيق على ثورة ثائرة ونفس نافرة من معشر قال عنهم ..
عَجِبتُ لِمَعشَرٍ صَلّوا وَصاموا
عَواهِرَ خِشيَةً وَتُقى كِذابا
ضربة في مقتل لكل منافق .. وما أحلى موقع كلمة عواهر مع كلمة خشية وجمع التقى مع الكذب هذه المقابلة التي تدلك على الحيرة التي يتلجلج فيها الفاسق ، والمرآة التي كلما رأى فيها نفسه وجدها شائهة تائهة ..
وَتُلفيهُمْ حِيالَ المالِ صُمّاً
إِذا داعي الزَكاةِ بِهِم أَهابا
هنا يغضب شوقي لحرمة الله ، لكتمان نصيب الله من مال الأغنياء مما يستحقه الفقراء ..
لَقَد كَتَموا نَصيبَ اللَهِ مِنهُ
كَأَنَّ اللَهَ لَم يُحصِ النِصابا
غير أني لم أستحسن كلمة "نصيب الله" وتبعا لذلك فتر الجناس بين نصيب ونصاب .. ثم يدلف الشاعر إلى قضية إنسانية تعد إحدى مميزات شوقي وهي نبله ونظرته الإسلامية تجاه الفقراء.. فينافح عنهم ويضع الممسكين بين اختيارين : حب الله أو حب المال .. وكأنه تمهيد مبكر لثورة 1952 التي قامت من أجل حق المصريين الفقراء الذين يأكل المتخمون أموالهم ..
لعل واحدا من هؤلاء الفقراء والأيتام إذا أحسن تعليمه كان عبقريا يجيء بالعجب العجاب .. وقد يجيء منهم الفارس المقاتل الذي تعولون عليه في الحرب ..
إن عدم التعليم وشيوع الجهل يضيع العدالة ويكون بابا يفضي إلى اليأس والإحباط ويغلق الأمل فينطبق ليكون جدران سجن تحاصر صاحبها ..
وَمَن يَعدِل بِحُبِّ اللَهِ شَيئاً
كَحُبِّ المالِ ضَلَّ هَوىً وَخابا
أَرادَ اللَهُ بِالفُقَراءِ بِرّاً
وَبِالأَيتامِ حُبّاً وَاِرتِبابا
فَرُبَّ صَغيرِ قَومٍ عَلَّموهُ
سَما وَحَمى المُسَوَّمَةَ العِرابا
وَكانَ لِقَومِهِ نَفعاً وَفَخراً
وَلَو تَرَكوهُ كانَ أَذىً وَعابا
فَعَلِّم ما اِستَطَعتَ لَعَلَّ جيلا
سَيَأتي يُحدِثُ العَجَبَ العُجابا
وَلا تُرهِق شَبابَ الحَيِّ يَأساً
فَإِنَّ اليَأسَ يَختَرِمُ الشَبابا
يُريدُ الخالِقُ الرِزقَ اِشتِراكاً
وَإِن يَكُ خَصَّ أَقواماً وَحابى
فَما حَرَمَ المُجِدَّ جَنى يَدَيهِ
وَلا نَسِيَ الشَقِيَّ وَلا المُصابا
وَلَولا البُخلُ لَم يَهلِك فَريقٌ
عَلى الأَقدارِ تَلقاهُمُ غِضابا
تَعِبتُ بِأَهلِهِ لَوماً وَقَبلي
دُعاةُ البِرِّ قَد سَئِموا الخِطابا
وفيم العجب وقد خرج من الأيتام رجل اصطفته يد العناية الإلهية على العالمين ، وإذا كانت الشمس تطلع على الجميع والماء ممنوح للجميع والأرض للجميع والهواء للجميع فالتميز والتطلع والأمل للجميع والرسالة من الله للجميع وستكون على يد رجل مبارك من يكون نبيا للرحمة والعدل .. لكن من يسمع ؟!
وَلَو أَنّي خَطَبتُ عَلى جَمادٍ
فَجَرتُ بِهِ اليَنابيعَ العِذابا
أَلَم تَرَ لِلهَواءِ جَرى فَأَفضى
إِلى الأَكواخِ وَاِختَرَقَ القِبابا
وَأَنَّ الشَمسَ في الآفاقِ تَغشى
حِمى كِسرى كَما تَغشى اليَبابا
وَأَنَّ الماءَ تُروى الأُسدُ مِنهُ
وَيَشفي مِن تَلَعلُعِها الكِلابا
انطر كيف نفذ شوقي إلى المديح بنعومة تسمى في البلاغة حسن التخلص إذ يحكم إغلاق المعنى ليفتتح معنى جديدا ..
لقد انسل من حديث ما يتفق فيه الناس إلى ما لا يملكون إزاءه المطالبة ولا المجاهدة وهو النبوة .. فغايتك أن تجاهد لتحاول اتباع النبي ..
وَسَوّى اللَهُ بَينَكُمُ المَنايا
وَوَسَّدَكُم مَعَ الرُسلِ التُرابا
وَأَرسَلَ عائِلاً مِنكُم يَتيماً
دَنا مِن ذي الجَلالِ فَكانَ قابا
نَبِيُّ البِرِّ بَيَّنَهُ سَبيلاً
وَسَنَّ خِلالَهُ وَهَدى الشِعابا
تَفَرَّقَ بَعدَ عيسى الناسُ فيهِ
فَلَمّا جاءَ كانَ لَهُم مَتابا
وَشافي النَفسِ مِن نَزَعاتِ شَرٍّ
كَشافٍ مِن طَبائِعِها الذِئابا
وَكانَ بَيانُهُ لِلهَديِ سُبلاً
وَكانَت خَيلُهُ لِلحَقِّ غابا
وَعَلَّمَنا بِناءَ المَجدِ حَتّى
أَخَذنا إِمرَةَ الأَرضِ اِغتِصابا
وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي
وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا
وَما اِستَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ
إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُم رِكابا
والأبيات الثلاثة الأخيرة تبلغ قمة كبرى في الفخر .. وهنا فارق جوهري بين المتنبي وشوقي في قضية الفخر .. تشبه التي كانت بين جرير والفرزدق فالفرزدق في الفخر أعلى صوتا وأصدق قيلا وجرير أضعف كلمة وأكثر ادعاء ..
وشوقي كان يجيد الفخر الجمعي العام الذي يكون فيه جزءا من كل فيفخر جيدا بالدين والوطن والناس يجيد المدح وماهر جدا فيه وفي تقاليده وأعرافه.. لكنه يلين ويخفت في الفخر الذاتي بالأب والأسرة والقبيل .. فهل كان شوقي يشعر في نفسه بالضعف رغم انحيازه إلى الخديوي ..
لم لا ؟! لقد نذر نفسه لخدمة الأسرة العلوية .. وعاش طول حياته وعيناه للأرض حيث بدر الذهب وحياة القصر ..
لقد كان المتنبي أكثر حرية حتى أنه كان يرى نفسه فوق فكرة الانتساب إلى أحد بل يرى واجبا على قومه أن يشرفوا به ..
لذلك كان فخر شوقي هنا باتباع النبي قويا حتى أنه يستمد منه القوة وجهارة الصوت ..
وهكذا كل مستمد طاقته من الذات المحمدية النوارانية.
قصائد مدح