السيرة الذاتية
ولد سركون بولص، أحد أبرز رواد قصيدة النثر في الشعر العربي الحديث، عام 1944 في بلدة الحبانية بمحافظة الأنبار في العراق. تشكّلت بدايات وعيه الثقافي في بيئة العراق المتغيرة آنذاك، وانتقل في الثالثة عشرة من عمره إلى مدينة كركوك، حيث بدأت تتفتح موهبته الشعرية وتنضج رؤاه الفنية. في كركوك، لم يكن بولص مجرد شاعر ناشئ، بل كان محركًا رئيسيًا ضمن "جماعة كركوك" الشعرية، التي ضمت نخبة من الأصوات الطليعية مثل فاضل العزاوي ومؤيد الراوي وجان دمو، وأسهمت هذه الجماعة في إرساء دعائم لغة شعرية جديدة، متحررة من قيود الوزن والقافية، ومستلهمة من الحداثة الغربية. لقد شكلت هذه التجربة منعطفًا حاسمًا في مسيرة الشعر العراقي والعربي.
حظيت قصائده الأولى بالاهتمام، فنشر له الشاعر والمفكر اللبناني يوسف الخال، رائد مجلة "شعر" المؤثرة، بعض أعماله في عام 1961، وهو ما كان بمثابة شهادة مبكرة على فرادته. لم يكتفِ بولص بكونه شاعرًا، بل كان رحالًا ومثقفًا عالميًا. فبعد فترة قضاها في العراق، غادر إلى بيروت، حيث أمضى وقتًا في المكتبة الأمريكية، منكبًا على استكشاف عوالم شعراء أمريكيين غربيين مثل جاك كيرواك، وألين غينسبرغ، وتشارلز أولسن، الذين تركوا بصمة عميقة في تكوينه الفكري والأسلوبي. لم يقتصر تأثيره على الشعر الأصيل، بل كان جسرًا ثقافيًا مهمًا، إذ ترجم العديد من الأعمال الشعرية العالمية ببراعة وأمانة، مقدمًا للقارئ العربي أصواتًا جديدة ومفاهيم شعرية متطورة، ونُشرت هذه الترجمات في كبريات المجلات الأدبية العربية.
تأخر صدور مجموعته الشعرية الأولى "الوصول إلى مدينة أين" حتى عام 1985، حين كان في الحادية والأربعين من عمره، إلا أنها جاءت لتثبت مكانته كصوت فريد في المشهد الشعري العربي. أعقب هذا الديوان بثلاث مجموعات أخرى، حملت في طياتها تطورًا ملحوظًا في تجربته وتأملاته في الغربة والوجود. وعلى الرغم من أن قصائده المبكرة كانت قد تناثرت في صفحات مجلات أدبية مهمة مثل "شعر" و"مواقف" و"النقطة" خلال الستينيات، إلا أن صدور "سيرة ناقصة: قصائد أولى" ضمن أعماله الكاملة لاحقاً، كشف النقاب عن حجم عطائه الشعري منذ بداياته، وأظهر عمق تجربته المبكرة وتنوعها. تميز أسلوبه بالبحث المستمر، والسرد الشعري الملحمي، ومزج الواقعي بالأسطوري، مع غوص في تيمات الاغتراب والضياع والفقد والبحث عن الذات في عوالم متغيرة.
عاش سركون بولص حياة متنقلة بين عواصم العالم، حيث أثرت تجاربه في لندن وباريس وبرلين على شعره، وجعلت من الغربة محوره المركزي. توفي في برلين عام 2007، بعد صراع طويل مع مرض عضال، تاركًا خلفه إرثًا شعريًا غنيًا ومتفردًا، أسهم في إعادة تشكيل خريطة الشعر العربي المعاصر بفضل جرأته التجريبية وعمق رؤاه الإنسانية.
الأسلوب الشعري
اعتمد سركون بولص قصيدة النثر كأسلوبه الأثير، وتميزت كتاباته بالبحث الفلسفي في تيمات الوجود، الاغتراب، الحلم، والواقعية السحرية. مزج في شعره بين الثقافات الشرقية والغربية، مع استخدام لغة سردية مكثفة وصور شعرية مبتكرة تعكس رحلته الوجودية والنفسية.