السيرة الذاتية
الصاحب بن عباد، واسمه الكامل إسماعيل بن عباد بن العباس، أبو القاسم الطالقاني، يُعدّ أحد أبرز أعلام الأدب والسياسة في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، جامعًا بين نبوغ الوزير وإبداع الأديب وعمق العالم. وُلد في مدينة الطالقان بقزوين سنة 326 للهجرة الموافق 938 للميلاد، ونشأ في كنف العلم والأدب، مما صقل مواهبه الفذة منذ يفاعته.
ارتبط الصاحب بن عباد بمؤيد الدولة البويهي منذ صغره، فكان رفيقه وملازمه، ومن هنا جاء لقبه الشهير "الصاحب". ومع تولي مؤيد الدولة مقاليد الحكم، أصبح الصاحب وزيره الأول، ثم استمر في منصبه الرفيع لدى أخيه فخر الدولة، ليتقلد بذلك دفة السياسة والإدارة لدولتين قويتين من دول بني بويه في ذروة مجدها. لم يكن الصاحب مجرد رجل دولة، بل كان إداريًا محنكًا، صاحب رأي سديد وفكر ثاقب، شهدت له عصره ببراعته في تدبير الأمور، وأسهم في توطيد أركان الدولة البويهية سياسياً وثقافياً.
تجاوزت شهرة الصاحب بن عباد مهام وزارته لتشمل عالمه الفكري والأدبي الرحب. كان عالماً موسوعياً، لا يضاهيه إلا قلة من أهل عصره، فقد ترك ثروة من المصنفات في مجالات متنوعة كاللغة والتاريخ والعروض والنقد الأدبي. من أبرز أعماله "المحيط" وهو معجم لغوي ضخم، وكتاب "الكشف عن مساوىء شعر المتنبي" الذي يعد من أهم كتب النقد التي تناولت شعر المتنبي، بالإضافة إلى "الإقناع في العروض وتخريج القوافي" الذي يعكس إلمامه بعلوم الشعر. كما جمعت رسائله في "المختار من رسائل الوزير ابن عباد"، وهي دليل على فصاحته وبراعته في فن الكتابة النثرية، وتواقيعاته الوزارية كانت مضرب الأمثال في الإيجاز والبلاغة.
كان الصاحب بن عباد شغوفًا بالكتب، وامتلك واحدة من أعظم المكتبات في التاريخ الإسلامي، والتي قيل إنها كانت تحتاج لأربعين جملاً لحملها. وقد كان مجلسه منتدىً للعلماء والأدباء والشعراء، يستقطب النوابغ من كل حدب وصوب، ينشر العلم ويشجع الإبداع. رحل الصاحب بن عباد عن عالمنا في الري سنة 385 للهجرة الموافق 995 للميلاد، ونُقل جثمانه ليدفن في أصبهان، تاركًا خلفه إرثًا ثقافيًا وسياسيًا لا يزال يضيء دروب المعرفة.
الأسلوب الشعري
يتميز شعره بالرقة والسلاسة، ويمزج بين الجد والهزل، وله براعة في الوصف والحكم، بينما تمثل رسائله وتواقيعاته قمماً في النثر الفني العربي المتميزة بالإيجاز والبلاغة.