العودة للتصفح

بلغتنا يا دهر بعض الأدب

عمر تقي الدين الرافعي
بَلَّغتَنا يا دَهرُ بعضَ الأَدَب
فَهَل تَرى نَبلُغُ بَعضَ الأَرَب
رَبَّيتَنا إِذ كُنت في نُصحنا
في كلّ جيلٍ خَيرَ أُمّ وَأَب
وَجِئتَنا بِالواعِظات الَّتي
تَجلو عن المُرتاب كلَّ الرِيَب
بَصَّرتَنا بِالناس بَعد العَمى
فَاِستُبدِلَت رَغبَتُنا بِالرهب
وَلَم تَدَعنا طالِبينَ العُلى
إِلّا وَسَهَّلتَ عَلَينا الطَلَب
فَكانَ تَدريبُكَ عِلماً لَنا
وَكانَ تَأديبُكَ خيرَ الأَدَب
فَشكرُنا الفَضلَ غَدا واجِباً
فَاِقبَل بِمَحض الفَضل شُكراً وَجب
يا دَهرُ لا زِلت محلّ الرجا
لِكُلّ راجٍ آخذٍ بِالسَبَب
رُحماكَ هل نُدرِك ما فاتَنا
فَكَم بَعيدٍ كانَ ثُمَّ اِقتَرَب
رُحماكَ هَل يُقبِلُ يَومٌ بِهِ
يُرجى لَنا إِقبالك المُرتَقَب
رُحماكَ هل من راحَةٍ تُرتجى
بَعد العَنا إِذ نال منّا التَعَب
وَهَل وِئامٌ وَاِتّفاقٌ فَقد
قَصّر منّا العمر طول الشَغَب
وَهل يَفيضُ الخَير في أرضِنا
من بَعد ما غاضَ وَمِنها نَضَب
وَهَل يَزولُ البُؤسُ مِن بَيننا
وَالبُؤسُ من حَظّ رِجال الأَدَب
ظَنّوا الغِنى بِالأَدب المُجتَنى
مَع أَنَّهُ في عَصرِنا بِالذَهَب
فَرزقهم ضاقَ وَمن ضيقِه
جَرى ولكِن من شُقوقِ القَصَب
يا دَهر ما لِلإنقِلابِ الَّذي
نَرى بِهِ العالي هَوى وَاِنقَلَب
هَبَّت هُبوبَ الريحِ خَفّاقَةً
ثائِرَة منهُ تُثيرُ النُوَب
زَعزَعت الشاهِق من جزره
وَأَصبَحَ المخضلُّ مِثل الحَطَب
فَاِربَأ بِنا يا دَهر مُستَمسِكاً
وَاِستَبقنا يا دَهر قبلَ العَطَب
اليَومَ خَمرٌ وَغَداً أَمرُهُ
أَمرٌ عَجيبٌ فيه كلّ العَجَب
وَسَل إله العَرشِ لطفاً بِنا
فَقَد كفانا ما بِنا من كُرَب
كَم ذا صَبرنا وَحملنا الأَسى
لا نَشتَكي من ظَمَأ أَو سَغَب
فَما لَنا لِيَوم سِوى نَفحَةٍ
لِلَّهِ تَأتينا بِنَيل الأَرَب
وَلَن يُضيعَ اللَهُ أَجرَ اِمرئٍ
قَد فَوَّضَ الأَمر لَهُ وَاِحتَسَب
يا أَيُّها العام الجَديد الَّذي
أَظَلَّ بِالخَيرِ رِجال العرب
نَبِّههُم لِلحادِثاتِ الَّتي
مَرَّت بِهِم مِمّا وَراءَ السُحُب
وَقُل لَهُم قَولاً بَليغاً عَسى
تُفيدُهُم إِذ قَد تُفيد الخُطَب
وَاِضرِب لَهُم مِن كلّ شَيءٍ مَضى
أَمثِلَةً من رَهبَةٍ أَو رَغب
قُم واعِظاً فيهِم وَأَنذِرهمُ
أَعذرَ من أَنذَر في ما كتب
أَما تَرى هذا الدخان الَّذي
مندلِعٌ فيهِ لسان اللَّهَب
تَشتَعِل الدُنيا بِنيرانِها
كَأَنَّما يَوم الحِسابِ اِقتَرَب
لا الشَرق شَرقٌ بَعد هذا وَلا الـ
ـغربُ وَكلٌّ نجمهُ قَد غَرَب
فَليَتَّقوا النار بِما تُتَّقى
إِذ لَيسَت النار كَنار الحَطَب
الحرب نارُ اللَهِ إذ يَغضَب الـ
ـلهُ وَتقوى اللَهُ تطفي الغَضَب
يا أَيُّها العامُ الَّذي يُرتَجى
لِلدينِ وَالدُنيا بِأَقوى سَبَب
أَما تَرى اليابانَ في شَرقِها الـ
ـأقصى كَنَجم طالَ مِنهُ الذَنَب
تَصَيَّدُ الأَرنَبَ في حينِها
وَبَعدَها تَأتي لِصَيد الدبب
قَد خافَها من لَم يَخَف رَبَّه
يَهرُبُ لَو كانَ يطيقُ الهَرَب
وَالناسُ كَالأَغنامِ في غَفلَةٍ
وَغَفلَةُ الإِنسانِ أَدهى وَصَب
لِلَّهِ في الخَلقِ شُؤون فَما الـ
ـحكم إِذا حُكمُ القضا قد غَلَب
وَلَم تَكُن تَنجو فِلِسطين من
شَرّ الَّذي قَد دَقَّ فيها الطنَب
فَقُل لِقَومي العُرب مَن يُنجِها
يُنجِ بِفَضل اللَهِ كُلَّ العَرَب
نَبَّهتُم زُرق الأَفاعي فَلا
تَشاغَلوا عَنها بِبَيعٍ وَكَسَب
ما شَمَّ ريحَ الدينِ كُلُّ اِمرئٍ
يَمشي مَعَ الأَعداءِ جَنباً لِجَنب
يا سَيّد السادات ما حالُنا
هذه وَكُلٌّ يَستَحِقّ العَتَب
فَاِنظُر إلينا وَتَشَفَّع بِنا
فَربّنا الرحمن لا شكّ ربّ
كَم كُربَةٍ فَرَّجها عاجِلاً
وَلم يَزَل يُرجى لِكَشف الكُرَب
وَحَسبُنا الحبّ شَفيعاً بِنا
وَالمَرءُ في أخراه مع من أَحب
رُحماكَ رُحماكَ أَجب داعِياً
دعاكَ من يَدعُ كَريماً يُجَب
عَلَيكَ صَلّى اللَهُ ما كاتِبٌ
يَكتب في حاجاتِه ما كتب
وَالصَحب وَالآلِ وَمن يَنتَمي
إلى علاهم بِصَحيح النَسَب
قصائد حكمة السريع حرف ب