العودة للتصفح

خواطر حول سلوا قلبي 5

علاء جانب
وَلَم أَرَ مِثلَ جَمعِ المالِ داءً :
وَلا مِثلَ البَخيلِ بِهِ مُصابا
فَلا تَقتُلكَ شَهوَتُهُ وَزِنها
كَما تَزِنُ الطَعامَ أَوِ الشَرابا
وَخُذ لِبَنيكَ وَالأَيّامِ ذُخراً :
وَأَعطِ اللَهَ حِصَّتَهُ اِحتِسابا
لاحظ التناسب بين : "داء ومصابا ، والمقابلة بين الطعام والشراب والطباق بين خذ وأعط "
فَلَو طالَعتَ أَحداثَ اللَيالي
وَجَدتَ الفقر أَقرَبَها اِنتِيابا
وَأَنَّ البِرَّ خَيرٌ في حَياةٍ
وَأَبقى بَعدَ صاحِبِهِ ثَوابا
وَأَنَّ الشَرَّ يَصدَعُ فاعِليهِ
وَلَم أَرَ خَيِّراً بِالشَرِّ آبا
فَرِفقاً بِالبَنينِ إِذا اللَيالي
عَلى الأَعقابِ أَوقَعَتِ العِقابا
يقابل بين "الحياة وبعد صاحبها" كما يقابل بين ضرر الشر الذي يصدع صاحبه والخير الذي لا يرجع صاحبه إلا بالخير .. لكن تأمل الشطر الثاني في البيت السابق وهو يحكي سرعة انقلاب الدنيا وهي تنهدّ على رأس من استظل بها .. إنها توقع العقاب على الأعقاب .. فتأمل القاف والعين وهما يرسمان بالتلوين الصوتي ذلك السقوط والهدد والخراب السريع المتلاحق …
لم يقل أنزلت العقاب، ولا أحرقت البلاد ، ولا عذبت الصغار .. وإنما قال "أوقعت" ليشعر بوقوع شيء ثقيل من حالق على جسد ضعيف .. الأعقاب واختار الأعقاب ليؤكد قوة الآصرة .. ولم يقل العذاب إنما قال العقاب .. فليس في الشطر كلمة إلا ويصرخ فيها حرف العين أو يقلقها حرق القاف وكل ذلك عقابا لكم أيها البخلاء في أبنائكم الذين لم تحسبوا حساب الأيام عليهم .. كل ذلك لأن الآباء نسوا حق اليتامى فتيتم أولادهم وافتقروا بعد غني وذلوا بعد عز ..
وَلَم يَتَقَلَّدوا شُكرَ اليَتامى
وَلا اِدَّرَعوا الدُعاءَ المُستَجابا
عَجِبتُ لِمَعشَرٍ صَلّوا وَصاموا
عَواهِرَ خِشيَةً وَتُقى كِذابا
وَتُلفيهُمْ حِيالَ المالِ صُمّاً
إِذا داعي الزَكاةِ بِهِم أَهابا
لَقَد كَتَموا نَصيبَ اللَهِ مِنهُ
كَأَنَّ اللَهَ لَم يُحصِ النِصابا
وَمَن يَعدِل بِحُبِّ اللَهِ شَيئاً
كحبِِّ المالِ ضَلَّ هَوىً وَخابا
ينفلت المقود من شوقي ؛ فيغلبه الكلام على نفسه، وكأني بحديثه عن الطعام والشراب وشهوة المال جذبه إلى جوع كلامي راح يشبعه بكلام شبيه بكلام الخطب الوعظية منه بجوهر الشاعرية ..
ليس هذا عيبا في الشخصية الشعرية ولا ميزة كبرى لنظرتنا المحدثة للشعر الملتزم بقيود الفن وتقاليده ..
وهي مقاييس تعتمد على العرف اللغوي والحضاري السائد مما يتقلب الشاعر بين مفرداته ودلالاتها
كما أنها مقاييس تعتمد على السياق الزمني للحركة النقدية ، ولم يزل الشعر عند شوقي وأضرابه كلاسيكيا لا تعدم فيه :
فخامة الأساليب ، وانتقاء الرسمي على العادي، والبعد عن السفساف السوقي ، وحمل معنى خلقي صالح للتربية، والحضور في موسيقا البحور الفخمة الطوية التي تنبعث من نغماتها أبهة اللغة وفخامة الكلمة ورقة أهل الحضارة ..
والتفضيلات الأسلوبية والاختيارات التواصلية عبر الشعر تتغير وتتطور .. ففي زمن العصرين الأيوبي والمملوكي كانت المحسنات البديعية والمهارة في تحكيكها وتنعيمها وضبط موقعها لتظهر غير نابية ولا متكلفة كل ذلك من معايير الإجادة ومقاييس التقدم ..
في حين كان الشعر والذوق العربي الخالص ينفر من كثرتها وتراكمها ..
كما جاء العقاد ولم تعجبه كلاسيكية شوقي وحافظ .. وشن عليهما حملة شعواء ..
ورث شوقي تلك الخاصية الطربية حبه لجميل ورشيق المحسنات مضيفا إليها الأرض التي أوقفه عليها البارودي رحمه الله عليه ..
النظر المنصف يقتضي أن نقول إن لدى شوقي اضطرابا في نقاط التحول التي كانت تسمى قديما " حسن التخلص" فهو يريد أن يخلص إلى معنى رحمة النبي بالفقراء الأيتام فيستهلك ذلك منه كلاما كثيرا لا مبرر له إلا انجراف شوقي إلا غواية النغمة ..
ففي النص بعض الإسهاب والترهل الذي يضعف المعنى السطحي فيه الصياغة المتساهلة ..
أَرادَ اللَهُ بِالفُقَراءِ بِرّاً :
وَبِالأَيتامِ حُبّاً وَاِرتِبابا
فَرُبَّ صَغيرِ قَومٍ عَلَّموهُ
سَما وَحَمى المُسَوَّمَةَ العِرابا
وَكانَ لِقَومِهِ نَفعاً وَفَخراً
وَلَو تَرَكوهُ كانَ أَذىً وَعابا
فَعَلِّم ما اِستَطَعتَ لَعَلَّ جيلاً
سَيَأتي يُحدِثُ العَجَبَ العُجابا
وَلا تُرهِق شَبابَ الحَيِّ يَأساً
فَإِنَّ اليَأسَ يَختَرِمُ الشَبابا
يُريدُ الخالِقُ الرِزقَ اِشتِراكاً
وَإِن يَكُ خَصَّ أَقواماً وَحابى
فَما حَرَمَ المُجِدَّ جَنى يَدَيهِ
وَلا نَسِيَ الشَقِيَّ وَلا المُصابا
وَلَولا البخل لَم يَهلِك فَريقٌ
عَلى الأَقدارِ تَلقاهُمُ غِضابا.
تتخلص الشاعرية قليلا من عبء اللفظة والقافية وأناقة الكلاسيكيين لتدخل إلى حديث يصدق فيه شوقي صدقا واقعيا وفنيا فيشتد عود الشعر ..
حديثه عن الشباب .. ومخاطبة المعنيين بأمرة في ضرورة فتح أبواب الأمل للعمل والجد والمثابرة ويميل ميلا طفيفا إلى التأثر بالاشتراكية السائدة في زمنه ، لكنها اشتراكية حذرة تنطلق من مبدأ التكافل لكنها لا تلغي الملكية الخاصة
يُريدُ الخالِقُ الرِزقَ اِشتِراكاً
وَإِن يَكُ خَصَّ أَقواماً وَحابى
فيطالب بإنصاف الفقراء والمهمشين وفتح باب العمل للشباب وإنشاء المصانع .. وكانت أحداث البلاد على أشدها تمور بالسياسة والثقافة والفن والدرس الديني ..
العدل هو القيمة الكبرى .. لقد كان الفلاح المصري لا يذوق جنى يديه وقد آن الوقت لتحقيق العدل ليثاب المجتهد وليبتعد الكسول المثبط المحبط للهمة.. لكنه لا يداس بالأقدام بل يأخذ المجتمع بيديه لينهض هو ولينهض المجتمع..
فَما حَرَمَ المُجِدَّ جَنى يَدَيهِ
وَلا نَسِيَ الشَقِيَّ وَلا المُصابا
إنه يطيل الوقت حتى يجد مدخلا مناسبا للمديح .. فيستغرقه الحديث المشتت الذي أشاعه هنا وهناك عن الدنيا والفقر والغني والعدل والبر والرحمة والارتباب والسمو .. كأنه يلتقط المفردات التي تشيع جو مناسبا مهيبا لاستقبال حضرة صاحب الجناب العالي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم..
قصائد فراق