العودة للتصفح

ذكريات

علاء جانب
لا أعرف.. كلما سمعت القرآن يتلى في ميكروفون في وقت العصر ..
تلبستني موسيقا حزينة شعرت بأنها تشق قلبي وتخرج من قاع صدري
وذكرت الأفراح القديمة وليالي “الختمة” التي كانت تقام في قريتي ..
كنت دائما أسمع صوت المزمار البلدي
مختلطاً في الميكروفونات بصوت القرآن وانا راجع من الحقل قبيل المغرب
مع قرب مغيب الشمس
وفي أنفي رائحة العشاء
وفي جسدي إنهاك العافية من عمل الحقل
كلما صحوت من النوم ولم أجد أحدا حولي إلا هؤلاء النيام .. زوجتي ورضيعها عمر آخر ابنائنا وأولادي الثلاثة الآخرين محمود وحبيبة وعبد الرحمن
كلما صحوت وحيدا .. تذكرت تلك الفرشة الفقيرة التي كنت أنام عليها صغيرا بين أخويّ محمد والسيد
يلفتني منظر أولادي إلى منظرنا انا وإخوتي
البراءة
والنوم بلا أرق
ووجود من يسهر ليطمئن على نومنا
في كل مرة أرى فيها أولادي أشعر أنني أبي وأشعر أنهم أنا وإخوتي …
وأنها الأيام تعيد نفسها
الشجن ..ذلك الشعور المركب من فرحة وحزن دائما يصاحبني .. فأنا رجل لا يخلص لي حزن ولا تصفو لي فرحة
الدمعة تقفز مني في الابتسامة والابتسامة تبسط ضوءها في الحزن
البرد والشتاء لا أعرف سبب اكتئابي فيهما ..
هل لأن الشتاء كان يجمعنا قديما حول “قيدة” النار التي نشعلها من حطب القطن ونظل نستدفئ عليها مجتمعين في دائرة تكبر نارها كلما كثر عدد المستدفئين
كثيرا ما كانوا يشبهون ساقي بحطبة القطن لأني كنت اسمر ونحيفا جدا
لكنهم كانوا يصفونني أيضا بأن نفسي كبيرة وعزيزة
كنت وإخوتي وأولاد أعمامي ندخل كالقطط الصغار في المسافات المتقاربة بين أجساد آبائنا وأمهاتنا …
أتذكر هذه اللمة الكبيرة حول النار
و”فرادة القصب” و”كنكة الشاي ” والكبابتين فقط اللتين يصب فيهما الشاي للحاضرين على حسب العمر ..
كنا في الغالب نفوز بشفطة أو شفطتين كل واحد من “كباية ابوه”
كانت وجوه آبائي تلمع أمام النار وكانت جلساتهم فخمة ومهيبة وعباءاتهم السوداء مرخاة وراءهم
وجبابهم الشتوية ذات القماش الصوف تزيد في هيبتهم وعمائمهم البيضاء التي تشعرك أنك أمام قطع من جبال شماء لم نعرف ان لهم شعرا تحت العمائم إلا حين رأيت أبي ذات جمعة حاسر الرأس قبل أن يلف عمامته استعدادا لصلاة الجمعة في مشهد مسرحي مهيب
الحكايات كانت بسيطة
والاهتمامات كانت صغيرة
لم يكن في اعمامي من يحمل شهادة إلا عمي الشيخ عبد الرحيم شقيق والدي ووالد زوجتي بعد ذلك
وهذا كان خريجا في كلية الشريعة والقانون ..
وكان قليل الزيارة للبلد بحكم عمله في السعودية …
لذلك كانت الأحاديث تدور حول زراعتنا البسيطة جدا ومواشينا التي نربيها
الشاي كان له طعم آخر متختلف
كانو ا يحلونه بطريقة مختلفة يضعون السكر كله في الكباية ويصبون عليه الشاي ثم يعيدونه في الكنكة وهكذا يعيدون هذه الحركة حتى يذوب السكر
أنا كنت أحب أن أخذ “سفة” سكر من الحُقّ بعد اذن أمي …
كنت اضع رأسي على حجر أبي فيغطيني بعباءته
وأتأمل في حكاياتهم التي لا أفهم منها شيئا ولا أجد لها معنى الا ثرثرة محببة لقوم يحبون حياتهم كما هي
وأظل هكذا إلى أن يستبد بعيني عسل النوم ف أنام
كنت أشم في عباءة أبي رائحة لم تفارق أنفي
رائحة البرتقال الذي أتانا به من السوق
ورائحة سجائرة
ابي كان يشرب ” سجاير لف” ثم غير وأصبح يشرب “سجاير مكنة” الي قبل وفاته لعامين حين أقلع تماما عن التدخين وأصبح المؤذن المعتمد لمسجد العائلة
طبعا ليست وظيفة …
الشيء الوحيد الذي أجبرنا أبي عليه يشهد الله هو الصلاة
عندما رآنا في الصفوف الإعدادية وفي الأزهر ونتفلت عن الصلاة مع كون باب البيت في باب المسجد…
بيتنا كان نموذجيا
أب وأم وأربع صبيان وبنت واحدة لم أعرفها إلا متزوجة لذا لم نتعود على وجودها معنا كثيرا الا حين تزورنا أو نزورها مع كونها زوجة ابن عمنا
لم أعرف بيتا في الصعيد فيه اب لا يضرب الا بيتنا
ولم اعرف بيتا فيه مراعاة للمشاعر مثل بيتنا
أبي كان يناديني وإخوتي بالشيخ فلان
وكذلك أخي محمود كان ينادينا باللقب ذاته
وسبحان الله كنا ننادي محمود باسمه دون استاذ او شيخ
الى أن أنجب أول أولاده فصرنا نناديه ابو عبد الرحمن
إييييييه يا ابو عبدالرحمن
صار عمرك الآن خمسا وخمسين
هل تتذكر حين كنت تمازحني وانا في الخامسة الابتدائية
وعمري وقتها أحد عشر عاما قائلا “أنا قديك مرتين”؟
كان عمرك وقتها اثنان وعشرون عاما
آه من مرور الزمان
البرد ينال من عظام أخيك الصغير هنا في القاهرة
يا ابا عبد الرحمن
أخوك الصغير عمره الآن اربعة واربعون حزنا
حين شاهدت فيلم ذ بيرفيوم مع حسن عامر ومحمد العارف صديقيّ الشاعرين في الأقصر
أدركت أنني لست وحدي صاحب فلفسة التعرف على العالم بالرائحة
وأن شخصية الإنسان وذاكرته كلها في راوئح يحتفظ بها
رائحة عباءة ابي
والشاي
ودخان القيدة
وطبيخ أمي
وعطر محمود اخي
ورائحة أخرى معنوية جدا هي رائحة اللمة والضحكة والأمان
ارجوك أيها الشتاء لا تعد باردا بدون هذه الروائح
أو أخبرني أنني طفل لم أزل نائما في حجر أبي وأتغطى بعباءته السوداء
وأن كل هذا الحزن وكل هذه الوحدة وكل هذه الدموع كانت أحلاما مزعجة
قصائد شوق