العودة للتصفح

الكتب كالناس

علاء جانب
علمتني الجلسة الطويلة في البيت أن الكتب كالناس منها الصادق ومنها الكاذب، ومنها الذي يخدعك ببريق العنوان، فإذا عاشرته تبهرج وتبين أنه فارغ وبلا قيمة، ومن الكتب مفيد جادٌّ، لكنه ثقيل ومتكبر ومقرف في تعاليه، ربما احتاج إلى صبر، وربما أعدته إلى رفّه وتجاهلته لأن التجاهل يليق بالمتكبر.
ومن الكتب ثرثار حميمي الثرثرة لكنه غير مفيد إلا في قطع الوقت، ومن الكتب تافه يختفي وراء غلاف فخم تماما كالتافه المختبئ وراء بدلة فخمة ورابطة عنق، ومن الكتب من يراوح بين هذا وذاك فمرة يكون جادا، ومرة يكون هازلا، ومرة تفخم لغته ومرة ترقّ.
ومن الكتب حزين، ومن الكتب مريض مضطرب، ومن الكتب مظلوم ومنها ظالم، ومن الكتب محظوظ، ومنها قليل الحظ، ومن الكتب من يقدم لك المعلومة من طريق مختصر قصير مثل الصانع الأمين، ومنها من يقدم لك المعلومة بعد لف ودوران، مثل الصانع الذي يستغل جهلك بصناعته فيوهمك بأنه يقدم لك عملًا متعبًا ودقيقا، بينما يقدم لك شيئا سهلا، البعض لا يأخذ أجره على عمله، لكن يأخذ ضريبة جهلنا بعمله وهؤلاء غالبية.
أنا ولا أعوذ بالله من كلمة أنا أبدا إذا سألني أحد عن شيء، حاولت تقديم الإجابة بشكل يسير ومختصر ومفيد، ويزعجني جدا أنني حين أريد مساعدة ما من أحد أن يظل يلف ويدور، وكنت أظن المسألة عادية إلى أن رأيت أحدهم ينصحني بها بوصفها منهج حياة، منهج حياة أن نحتكر المعلومة، وأن نساوم بها من يريدها، تماما كمن يملك السلعة الغذائية ويساوم بها، منهج حياة أن يركنك الطبيب عنده حتى يزيد المرض عليك مستغلا وجعك، فإنك عند زيادة الألم تدفع ما تقدر عليه، منهج حياة أن تظل منتظرا على باب المسؤول ولا تدخل فورا، لأن ذلك سيخدش البريستيج، ولا أدري متى ستختفي هذه الكلمة التي أكرهها جدا.
الاستغلال أقبح أكبر من أكبر ذنب من الكبائر عند البشر، والاستغلال والاحتكار والرغبة في التسيد والتحكم، لم تعد سياسة أفراد، بل أصبحت منذ مطلع عصر النهضة الأوربية منهج الإمبراطوريات الكبرى، وغاب عن السياسة وعن العالم شيء اسمه الضمير الإنساني، فأصبح المرض يخترع اختراعا! ويلقى به في الجموع ليباع له دواء من إنتاج مخترع المرض، مثلما يفعل "مصلح الكاوتش" حين يلقي بالمسامير قريبا من ورشته ليفسد العجل فيجيئه الناس.
كنت أسكن في بداية حياتي مع مدرس، قال لي: أنا لا بد أن أعطي دروسا للعيال، فقلت له: لو كان هناك "عيل شاطر" أو لا يريد أن يأخذ منك دروسا، قال: أعطيه درجة ضعيفة في الاختبارات الشهرية حتى يتحايل عليّ ولي أمره، وأنا أتعلل بأني لا أريده، ثم أوافق بعد إذلال أهله.
هكذا مشكلتي أنني أرى الأشياء على حقيقتها، لا على قدر حاجتي إليها، ومشكلتي مع العالم أن العالم يرى الأشياء على قدر الحاجة إليها لا على قيمتها في ذاتها، لذلك يغلو السلاح والمخدرات والدعارة، وتتهاوى مهنة كالتدريس في البلاد التي لا عقل لها إلا في غرائزها، وتغلو قيمة المعلم في كل صناعة في بلاد تعرف كيف تريد أن تسود العالم.
لست خائفا من كورونا ولا خائفا من الموت، ولكني خائف من حياة يغيب فيها الضمير والوعي.
قصائد عامه