العودة للتصفح
البالة
مطهر الإريانيوالليلة البالْ ما للنسمةِ السارية
هبّتْ من الشرقْ، فيها نفحةِ الكاذية
فيها شذى البنْ، فيها الهمسةِ الحانية
عنْ ذكرياتِ الصّبا في أرضِنا الغالية
والليلة العيدْ، وأنا منْ بلادي بعيد
ما في فؤادي لطوفانِ الأسى من مزيد
قلبي بوادي «بنا» و«أبين» ووادي «زبيد»
هايمْ، وروحي أسيرْ الغربةِ القاسية
خرجتْ أنا منْ بلادي في زمانِ الفَنا
أيّامْ ما موسمِ الطاعونْ قالوا: دَنا
وماتوا أهلي، ومنْ حظّ النكدْ عشت أنا
البالهْ عشتْ أزرع الأرضْ، أحصدْ روحي الذاوية
ذكرتْ أخي، كانْ تاجرْ، أينما جا فَرَش
جَوْ عسكرْ الجنْ، شلّوا ما معه من بقش
بكرْ غبشْ، أينْ رايح؟ قال: أرض الحبش
وسارْ.. واليومْ قالوا حالته ناهية
بكرتْ مثلهْ مهاجرْ، والظفرْ في البكر
وكانْ زادي من اللقمةْ ريالين حجر
وأبحرتْ في ساعيةْ تحملْ جلود البقر
والبُنْ للتاجرْ المحظوظْ والطاغية
بحثتْ عنْ شغلْ في الدكّةْ وداخل «عَصَب»
وفي الطرقْ والمباني، ما وجدتُ الطلب
شكيتْ لإخواني البلوى وطولِ التعب
فقالوا: البحرْ، قلت: البحرْ واسعية
وعشتْ في البحرْ عاملْ خمسة عشرْ سنة
في مركبْ (أجريكي) أعورْ، حازقْ الكبتنة
وسودْ الفحمْ جلدي، مثلما المدخنة
وطفتْ كمْ يا بلوّدْ أرضها قاصية
منْ كانْ مثلي غريبْ الدارْ، ما له مقر
فما عليهْ إنْ بكى وأبكى الشجرْ والحجر
أبكي لكْ، أبكي، وصبّ الدمعْ مثل المطر
ومنْ دمْ القلبْ، خلِّي دمعتكْ جارية
غنيتْ في غربتي: «يا الله لا هِنتنا»
ومزّقْ الشوقْ روحي في لهيبْ الضّنا
راجعْ أنا يا بلادي، يا ديارْ الهنا
يا جنّتي، يا ملاذي، يا أمي الغالية