العودة للتصفح

هذه الأرض

علاء جانب
هنا تدربت على مواجهة الدنيا.
كانت الدنيا مثلا قرآنيا نمارس فهمه كل موسم.
نغرس الحَبّ ونتابع النبْت في مراحله وهو يكبر، ونعامله كالأطفال ندلّله ونترفق به ثم نقسو عليه قليلا ثم نأكل خيره.
نعمل ونترك النتيجة على الله.
هذه الأرض علمتني كثيرا.
درْسها الأكبر أن كل بداية تؤول إلى نهاية.
وكل أخضر يصفرّ.
وكل قائم على ساق يوما ما تجتثّه منجل أو فأس فيتمدد نائمًا ويترك المكان لغيره.
قال لي أحد أعمامي ذات يوم :" يا ولدي ميتى الناس هي اللي ع تورث الأرض!! دا الأرض هيّ اللي ع تورث الناس!.
هذه المساحة التي ورائي كنتُ فيها مرة عود قمح، ومرة شجرة فول، ومرة عود برسيم، ومرة عود ذُرة، يتمايل في الريح.
عزقتها بيديّ وفلحتها وزرعتها وحصدتها مع أبي وإخوتي وأعمامي وأولاد أعمامي.
الباقي من أهلي الذين نشأت فيهم صار أقلّ ممن رحل.
المسافة البعيدة هناك عند السماء كانت جبلا ذات صباح، ربطنا فيه مواشينا، ولعبنا الكرة، وتسلقنا النخل، وجمعنا حبات "القرض" وأوراق "الخبط" لأمهاتنا، لكي تدبغ به جلود "القراب".
مرة عثرت أنا وأخي "السيد" على جحر قنافذ وأخذناها للبيت، كان شكلها يشبه النعاج الصغيرة بعد أن ماتت، كان هناك أسطورة تقول إن شوك القنافذ بخور جيد فاستعملنا شوكها كبخور.
ومرة هنا في هذا المكان كنت أعمل فخرج لي عش من الثعابين الصغيرة، قتلت معظمها بالفأس وفرّ بعضها، وبقيت طول العام خائفا من انتقام أمهم منّي.
علّمتني الأرض أن أواجه خصمي وجهًا لوجه؛ إن أصر على هذا، وأن أنشغل بنفسي وبعملي ما دام لا يعترض طريقي أحد.
جنيت القطن هنا وقلعت أحطابه، ودرست القمح والفول والبرسيم والذُّرة، وشويت الشامي واصطدت السمك و"استحميت" في الترعة.
كانت الترعة كبيرة وواسعة، لكن حين زرتها بعد وفاة محمود كانت ضيقة حزينة قليلة الماء.
زرع أبي صفصافة قبلي غرفة "موتور الميّة" ما زالت باقية، لكنها أصبحت مثل امرأة تجاوزت الخمسين لا هي صغيرة ولا هي عجوز.
لقد ورثنا ذكريات للأسف لن يرثها أولادنا الذين تربوا في المدينة، ستكون حكايات كالأساطير، حين أحكيها أعيش تفاصيلها لكن الشَّعر شاب، والصوت يحمل كثيرا من الشجن.
التفاصيل التي تتزاحم كأسراب النمل على قلبي لا يمكن للشعر أن يعلنها كلها، إنها تحتاج إلى كتاب موازٍ من الحكايات، ليتعرف القارئ لشعري على الإشارات التي يختزلها هذا الشعر الذي لم أكتب حرفًا فيه تصنّعًا ولا زيفا.
حين أقول الجبل الغربي أقصد تلك المسافة بين الأخضر وبين السماء.
ركبت فيها الجمل والحمارة والخيل ومشيت فيها حافيا.
وطرتُ فيها كفرخ القنبر أو ذكر الحمام والقمري.
ومشيت فيها وراء أغنامي في الصباح وبعد العصر ذاهبا آيبا.
كانت رائحة أمي تمتد لكيلومترات بين البيت وأنفي، ونحن جوعى آخر اليوم نعود بأحلام صغيرة وتراب على الوجوه يخالطه العرق.
كان كل شيء له معنى؛ حتى الصلاة كانت بريئة لم تفسدها حذلقات المتأسلمين وتكلفهم في أدائها.
حين تعلمنا ختم الصلاة من الشيخ عبد الوهاب السايح رحمه الله قبل أن يقول لنا مشايخ الجماعات إن ختم الصلاة جهرا بدعة، كبرنا وقرأنا وعلمنا أنها ليست بدعة، وأصبحت الآن في الحجر المنزلي أختم الصلاة لأولادي جهرا، وأستمتع بالسنة التي أخبرنا المتمشيخون أنها بدعة.
كان الدين فطريا والعلاقات الإنسانية قريبة وحميمة.
السلام عليك أيتها الأرض.
السلام عليك يا عرابة أبو دهب.
السلام عليك يا عظام التربة.
السلام على أبي وأمي ومحمود الحبيب، وعلى أعمامي وأخوالي، وكل عزيز ضمه ترابك المقدس.
قصائد رثاء