العودة للتصفح البسيط الوافر المتقارب الكامل السريع
نحو وشطرنج
علاء جانبكلما تقدم العمر، وازدادت الخبرة، واتسعت الرؤية، أدركتُ أنني لستُ متميزًا عن الآخرين، وأنني أعاني من عيوب تسمح لهم بأن يذكروني بها.
نحن نعيشُ على رقعة شطرنج كبيرة، خطواتنا محسوبة من أول رصّنا كقطع ذات وظائف لا يمكن أن نتخطاها إلى وقوع الملك.
الشطرنج كل تمثال فيه يعرف دوره، فلا تجد الفيل يدعي دور الوزير، ولا الطابية تتحرك حركة الحصان، ولا الحصان يدعي الفلسفة فيأخذ مكان الفيل، ولا الفيل يطمح إلى المشي على لون غير اللون المحدد له، الجميع يتقدم ويتأخر ويناور وينفذ خطة اللاعب الحريص على بقاء مملكته، وعدم خسارة شيء من مساحة الرقعة.
فكرة ترقية العسكري الذكي، الذي يتقدم حتى يصل لآخر مربع في رقعة الخصم، ليكون وزير فكرة تمثل الطموح والمكافأة، تكتشف في لحظة ما أن كل حركاتك محسوبة بدقة، لأنك جئت للدنيا لأداء مهمة ستختارها أنت بنفسك، ولن يكون لأحد تدخلٌ في اختيارك، لأنك ستتحمل العاقبة .
ستمشي من وإلى، ستذهب وتجيء، ستفكر في المستقبل، وستحنّ إلى الماضي، ستعرف أشخاصًا كثيرين منهم من يساعدك على مهمتك وهذا سيكون جيدا، ومنهم من سيعرقلك وهذا سيكون سيئا، ستجد أمامك طرقًا كثيرة ستجربها، منها ما ستمشي فيه قليلا ثم ترجع، ومنها ما سيخدعك فتمشي فيه كثيرا، ثم تكتشف أنه لا يؤدي إلى هدفك، لكن بعد أن تكون تعثرت وقمت فيه، فيستنزف الكثير من طاقتك ووقتك وتفكيرك، ثم تهتدي إلى طريقك بعد عمر طويل، أو تظل متمسكًا بطريق كاذب.
المشكلة أن هناك مشاعر ستولد، ومشاعر ستموت، وهناك ألم وهناك أمل، وهناك ابتسامات نجاح وانكسارات إخفاقات، وحلاوة انتصار، ومرارة خذلان، ستفقد أشخاصًا وأشياءً وستجد أشخاصا وأشياء، سيولد أطفال أمام عينيك ويكبرون وهم لم يكونوا من قبل، وسيموت موجودون كانوا يملأون الدنيا ضجيجا.
كل ذلك يحدث في الأماكن والأزمنة التي حدد لك أن تسير فيها، وتجلس وتنام، وتصلي وتصوم، وتحب وتكره، وترضى وتغضب، وتقرأ وتكتب، وتذكر وتنسى، وتتكلم وتصمت، الشمس محسوب لعينيك كم يوما ستراها؟ والقمر والليل والنهار والسحاب وصفاء السماء والمطر والإجداب.
البيوت والعناوين والشوارع والغرف والسيارات والأشجار والنباتات وأسماء الطيور والحيوانات والبحر وأنواع الطعام، والاستحمام وأصناف الملابس والأحذية والأجهزة المنزلية، محسوب لك كل شيء ستنفذ من خلاله حركاتك التي تسميها التفصيل.
ستكتشف أن الحياة ليست الزمان فقط! ولا المكان فقط! ولا الزمان والمكان فقط! الحياة خالق ومخلوق، الخالق واحد هو الله، والمخلوق ينحصر في قاعدة نحوية تحصي لك أنواع الكلمة، فحياتنا هي:
1 أسماء تشمل: الناس والحيوان (كل ما هو حي) وكائنات البحر، وهو ما حصره الله تعالى في قوله {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ ۖ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} سورة النور (45)، وجمعه جمعا بالغ الحصر في قوله: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} الأنعام ((38) ثم الجماد الذي لا يشمل النبات والأشياء التي لا حياة لها .
2 أفعال هي تفاصيل حياتك مع المخلوقات السالف ذكرها، وهي حواريتك الكونية الكبرى بالحسِّ أو بالفكرة في الواقع أو في الذهن في اليقظة أو في الحلم.
3 حروف تمثلُ رمزية الوسائل والوسائط المستخدمة في الحوارية الكونية بينك وبين ما يتاح لك، "فعل" التفاصيل معه من معطيات الكون المتسع اللانهائي.
ستكتشف أن كل فرد يحدد قانون تعامل خاص وفق حركة القوانين الكبرى، ستجد نفسك حرًا في أشياء وعبدا مسيّرا في أشياء، وقادرا في أشياء ومقدورًا عليك في أشياء، مثلا لن تستطيع مهما كنت عظيما ألا تأكل أو تشرب أو تنام، لن تستطيع أن تخرج من الظرف زمانًا أو مكانًا، لن تستطيع ألا تكون صاحب حال تعتريك من ضحك وبكاء وغضب ورضا ونوم ويقظة وشبع وجوه، لن تستطيع أن تمنع الموت عن نفسك أو عن دجاجة عزيزة عليك.
الجبر والاختيار حوارية أخرى بينك وبين الخالق، فقد جعل لك ما تختاره فتحاسب عليه، وما لا تختاره ولا تحاسب عليه.
ستكتشف عندئذ أنك لست مسؤولا عن أحد إلا في نطاق الأفعال مع الأسماء، التي تدخل تحت إشرافك زمنًا بعينه، مثل زوجتك وأولادك ومن أنت مؤتمنٌ عليه، ثم ينفصلون عنك قليلا قليلا، ثم تكتشف أن قيمة الحياة في تفاصيلها وتقابلاتها وثنائياتها وأضدادها واختلافاتها.
ثم تصل إلى اللحظة الأخيرة والمكان الأخير والاسم الأخير، وتغمض عينيك لا تملك فتحهما بعد أن كنت تتمتع برفاهية فتح العيون وإغلاقها، فتكتشف أن حياتك جملة يحسنُ السكوت عليها أو لا يحسنُ.
قصائد مختارة
نادت ذوابله في كفه عجبا
بطرس كرامة نادت ذوابلهُ في كفهِ عجباً أين الألى حسدوا أين الذي بغضا
أناملك اللطاف وقد أمرت
خليل شيبوب أناملكِ اللطافُ وقد أُمِرَّت على المضراب أنطقتِ الجمادا
أجد وتهزل فيما أجد
التجاني يوسف بشير أَجد وَتَهزَل فيما أَجد وَتَهرب مِن وَجهِهِ أَو تَند
ما كان ذنبي في الفرزدق أن هجا
عمر بن لجأ التيمي ما كانَ ذَنبي في الفَرَزدَقِ أَن هَجا فَهَجَوتَهُ فَتَخَيَّرَ الأَمثالا
أرى كل ما قد قدر الله يكتب
سليمان بن سحمان أرى كل ما قد قدر الله يكتب وليس على المولى مفر ومهرب
لا تطلبوا ثأري فلا حق لي
ابن سهل الأندلسي لا تَطلُبوا ثَأري فَلا حَقَّ لي عَلى لِحاظِ الرِئمِ مِن مَقتَلِ