العودة للتصفح

رسالة وحدوية

عبد الكريم الشويطر
إلى مدينةالقلاع والشموس
أنا اليمنْ .
تقـولُها صنعاءُ ملء فمها ،
تقـولُها عـدن .
تقـولُها السـهول والهضابْ ،
تهتفُها التلال ، والمروج ، والشعاب .
تقـدحُها حناجر الشبابْ ،
ترسمُها الآمـالُ ،
فـوق الأعيُن الباسمةِ الكحيلةْ
تعزفها الطّفولة ابتهالاً ،
ترفعها السواعدُ الأصيلةُ ، الأصيلةْ .
أنا اليمن ،
تنطقها الرمالُ، والشجرْ .
ينقُشها الكتابُ ، والترابُ ، والحَجَرْ ،
تطبعُها الجـذورُ قَـدَراً ،
على وجوهنا ، وفي ملامح الصـورْ .
تنظمها البلادُ، باقةً ، قصيدةً ،
يعـزِفها النباتُ ،
في مسامعِ المطـرْ .
وانهمرتْ أقـدامُنا ..
إليكِ يا مدينة القلاعِ والشموس ،
يا عـَـدن .
إليكِ يا مدينة البيارق المضيئةْ .
من اليمن ،
تدحرجت قلوبنا ،
إلى الـيمن .
هناك حيث انتصبتْ قافلةُ الدهور ،
واعتلتْ سلسلةُ المنابر المجيدة .
وانطلقتْ من شَـفةِ البحـرِ ،
أناشيد الولاءِ لليمنْ .
كان هَـوَاكِ، خَـبراً ،
يلهثُ في الخيال ،
كان وعداً أخضراً ،
معطراً بالولَــهِ القديم ، هاجسـاً ،
يَشُدَّني لموطنِ الجُرح الذي يخرجني
من الظــلام ،
نجـمةً بهيةً ،
تنقُشُ في بُروجها تجاربي ،
ترسِمُ وعدي ،
بهجـةً ، وبسـمةً ، وأقحـوان .
رأيتها نيلوفـراً ،
يطفو بمرآةِ السماء ،
زهـرةً ناطقةً كالعُـودِ ،
كالعـنقود ِ،
كانبثاقِ الوردةِ الفـاحمةِ ، الجريئـةْ .
وكانعطاف جسَدِ الوليدِ ، حول أُمِّـهِ ،
تـدورُ، قلباً أزرقاً ،
في كفَّـةِ الخليجِ، دافقـاً ،
زنابقـاً ، وزعفـران .
ينطلقُ التاريخُ من فوهتها ،
مشَـاعِلاً ، مشَـاعِلاً ،
وتغـزلُ الجبالُ شعرها ،
ضفائراً ، ضفـائراً ،
وتنقشُ السحابُ في سمائها ،
بيارقاً .. بيارقاً ،
على طريق ذي يـزنْ .
إليكِ يا نمانِم السواحلِ المضيئة ،
إليكِ يا مَجَـرَّة الشُّـموسِ والمياه ،
يا فَـرَاشَـةَ الخليج ،
أقلعتْ ركائبي .
إليكِ يا منارةَ الوصـول ،
يا عبارةَ اللقــاء ،
أمـدُّ أذرعَ الحنين ،
مـرةً ومرتين .. ألف مرةٍ ،
وأفـرِدُ الجُسورَ من أصـابعي ،
وامتطي جوانحَ الفـؤاد …
يا عــدن .
إليكِ ألوي فَرَسِي ،
أحملُ صنعاءَ معي ،
أحملُ غمدانَ ، وعيبانَ ، الأشمّ ،
بحنايا أضلعي
أحملها إبُّ التي أعشقُها،
في بصماتِ إصبعي .
أحمل أرض الجنتين ، والسدود ، والقلاع،
بين أذرعي
إليكِ ألوي فرسي ،
وانثنى إلى حبيبةٍ ، تُشرقُ، من دمي ،
تُولَدُ، من عبـارتي ،
توحي إليَّ بالـجَمَـالْ ،
أقرأُ في عُيونها ، مسـافتي ، مسـاحتي ،
أسـمعُ في أعماقها ،
أغنـيةَ الوطـنْ .
لكَ البقــاءُ …
يا بهـيّة َالمســاء ،
يا دافــئة َالمشـاعر .
يا رئـة المحيط ، يا هـديَّة الـمَحارِ ،
يا أنشــودة الخصوبة الجديدة .
كيف هجَرتِ قُبلةَ الوفاء،
وانطويتِ جانباً ،
كيف نَسِيتِ قصةَ اللقاء ،
واحتكرتِ وحدكِ الصعود ،
من خاتمة القصيدة
كيف نَسَجْتِ مسرح الحضور ،
من أجنحةِ القوارضِ العنيدة ،
ونحنُ ، والصقور ،
في شواهق الجبال ،
نَــزرعُ الرجـــــاء ،
لم نزلْ ، نَجُسُّ باليدين ،
صفحة السماء
ونبصقُ الكلام في الهواء
والنائمونَ يصرخون ،
يا حجارنا إركبي ،
وتصرخ ُالسماء ،
وأنتَ يا إنساننا ، أفِقْ ، …
لكنهُ لا يسمع النداءْ
يا لهفة الجبالْ ،
يا مشاعل الرمالْ ،
إنطلقي ، تصاعدي ،
تحسّسي مواطن الكمالْ .
ارتفعي إلى منابع الجداول الحزينة
وكحِّلي جبالنا ،
ونظّفي وجوهنا من الترابِ ، والعنادِ ،
حرِّكي أقدامنا ،
تفتحي سنابلاً ،
واحتضني القريب ، والبعيد،
دحرجي جوهرة الضياءِ ، في العقول ،
تمّحي أبخرةٌ ، تعتسفُ الأصالة ،
ويرجع الرديف ، في أهازيج البقاء ،
في أشرِعةِ البـُلوغ ،
في إنشودة الخصوبة الجديدة ،
إنشودة الشباب ، والتراب ، والوطن
صنعاء، تـخِيْطُ كُسوة الزفاف ،
وتنظم ُالقلائدَ البنِّيةَ المكحولةَ الرموش ،
تُحيِي زفاف أختها،
أميرة السواحل ،
تزفُّها إلى ممالك البحار ،
إلى مشارف البهاء ، والبخور، والبهارْ
أنتِ التي ستحملين مجدها ،
وتلبسينَ وجهها ،
إلى ضفافِ الزمن المضئ ،
وتَرْجِعُ القلادةُ ، الأسطورةُ ، الحضارة ،
وَيَرجِعُ العقيق
رأيتُهُ، في قبضةِ العُقابِ عائداً ،
وفي جناحِ اليمنِ القادمِ ، قُرصاً كاملاً ،
رأيتهُ ، في موكب الهتاف والنشيد :
(بروحنا ، بدمنا ، نفديكِ يا يمنْ ،)
لوطنِ المستقبل المجيد ، شيِّدي ،
ليمن السلامِ ، والنماءِ ، والخلود ، جدّدي ،
يا مـرفـأَ الأصيل ،
يا رُموشَ الوطن الجميل ،
يــا … .....
مُقـلةَ اليمنْ .
28/12/1989م ألقيت في عدن أثناء الزيارات التبادلية بعد توقيع اتفاقية عدن في 3 نوفمبر1991م
قصائد عامه