العودة للتصفح

الشاعر والصانع

علاء جانب
ماذا يريد بعضنا من بعض؟!
الكلام المؤلف ليس هو الشعر، كما أن المال المعطى ليس هو الكرم، كما أن الإقلال ليس هو البخل، كما أن الرائحة ليست هي العطر، كما أن الجسم ليس هو الروح.
الشعر في الحقيقة "نمط شخصية"، هو طريقة تفكير تدور على أساسها عمليات الإبداع والتلقي؛ فالشخصية الشاعرة شاعرةٌ وإن لم تنطق، ولكننا نستدل على شاعريته بقوله حين يتعلم كيف يقول ما في عالمه الداخلي.
والشخص غير الشاعر لو اتفق له أن يمشي على يديه كما يمشي لاعبو الأكروبات، أو يمسك بأرجل طائرة هليوكوبتر فيجوب السماوات، أو أن يغوص في البحر أو يزحف كالثعابين فيكتب أطنانا من الورق المنضبط نحوا وصرفا وإعرابا فيملأها بالتشابيه السخيفة التي لا تزيد عن هذا كهذا أو هذا كأنّه هذا، على أن يكون شاعرا ما جاز إلا على الغافلين الذين لا علم لهم بالشعر ولا بطبيعته ولا بجوهره؛ فالشعر داخل في تركيب النفس الشاعرة يدلّ عليه القول كما يدل عليه السلوك في النظر والمأتى والمأخذ.
الشعر وجه من أوجه الطبيعة الخاصة بكل أحد فشاعر رقيق وشاعر غليظ جاس، وشاعر مستقيم وشاعر مراوغ وشاعر الى آخر ما تتباين فيه طبائع الناس؛ الشعر تجلّي الشاعرية والشاعرية شيء آخر غير الثقافة المكتسبة؛ لأنّ الشاعرية ملكة وفطرة والثقافة اكتساب وتعلم ومهارة، فهما يلتقيان وينفصلان؛ الشعر طريقة في التناول يؤيدها الكلام فيصدقها أو يكذبها!
قد يتعلم الرجل العروض حتى يمهر فيه، والنحو حتى يتأستذ، والبلاغة حتى يتذوق، ويستطيع الحكم والتمييز بين الجيد والرديء، حتى يمسك بالقلم فيكتب كلاما موزونا مقفى يدل على معنى وعندئذ يقع في روعه أنه قال الشعر، وعندئذ تبرز عبارة ابن سلام رحمه الله عن أبي عمرو بن العلاء: "وليس بشعر وإنما هو كلام مؤلف معقودٌ بقوافٍ".
والأسخم من هذا عندما يبالغ في تصديق نفسه وهي كاذبة عليه، فيصدقه قوم كما صدق أهل اليمامة مسيلمة الكذاب، ويبالغون في تصديقه وليس لهم حق في هذا، فيحتار الحليم لغياب معنى النقد الحقيقي في غياب الشعر الحقيقي.
ثمة سوق مكتظة من الفوضى والعبث فيها نقاد زائفون ينقدون شعرا زائفا، فيقولون هذا جيد وهذا رديء، وهما ليسا بشعر أصلا، كمن يصفون ما بين أيديهم على أنه ذهب ويذكرون صفات الذهب والذي بين أيديهم نحاس.
أرأيت إلى قوم يعلمون المشاهدة على أنها مشاركة؟! إن هناك من يغريهم من الشعر أنه يجذب الجنس الآخر فيصرون بحول الله شعراء، أو يغريهم أن يجعل قيمة في المجلس لمن لا قيمة له حين يعرف بأنه شاعر فيتحول بحول الله إلى شاعر، أو يرغب في جائزة فيحتال حتى يحوزها فيصبح بحول الله شاعرا، وأنا أزعم أن من البكم من هو شاعر لو انطلق لسانه بضميره لأحرق نصف المدعين وترك نصفهم يبكي على حاله.
الشعر ضمير للشاعرية وإن كذبه الواقع والشعر تجربة تعاش في عالم الشاعر، وبناء على هذه القاعدة تستطيع أن تعرف الشعر من اللاشعر، والشاعر من الصانع، والمستعرِض من الزاهد، فلماذا يريد من لم يركب الله في طبعه شاعرية أن يعترف له الناس بما ليس فيه.
قصائد عامه