العودة للتصفح

الخافقان عليك في خفقان

أحمد تقي الدين
الخافقانِ عليكَ في خفقانِ
والمجلسانِ عليكَ في أَشجانِ
يتذاكرانِ بدهشةٍ وكآبةٍ
بعظيمِ خطبكَ يا فَتى الفتيان
يتساءلانِ وكلُّ دمعٍ سائلٌ
هل للمحمّدِ في المجالسِ ثاني
تاللهِ ما بعثَ الإلهُ لأُمةٍ
إلا رسولاً سادً في الأكوان
البعثُ قد شمِل الرعيَّةَ إنما
ما كل من بُعِثوا بمبعوثان
أَنتَ الشهيدُ وكلُّ عضوٍ شاهدٌ
في المجلسينِ بصدقِكَ العُثمانِي
للهِ في الأوطانِ مصرعُكَ الذي
صرعَ النفوسَ وفتَّ في الأَبدان
في ذمَّةِ الدستورِ عانقتَ الرَّدى
والحرُّ يعتنقُ الرَّدى بأَمان
وبذلتَ للأوطانِ نفسَكَ فِديةً
ورميتَها شرفاً على النِّيران
وسمحتَ في دمِكَ الزكيِّ شهامةً
وأَبى إباؤُكَ حقنَه بهوان
فتلوّنتْ منه النفوسُ بصبغةٍ
تحدو النفوسَ على علوِّ الشان
في كل قلبٍ من دمائِكَ قطرةٌ
تَسقي غِراسَ الصِدقِ والوِجْدان
الناسُ تحنثُ باليمينِ وأنتَ في
دمِكَ الزكيّ تبرُّ بالإيمانِ
قتلوا صِباكَ ليُخمدوا نار الصِّبا
فحوتهمُ نارٌ بكلِّ مكان
قطعوا من الأَوطان عِرقاً نابضاً
بالحزمِ والإقدامِ والعرفان
فاهتزَّ جسمُ التحادِ وَرُوِّعتْ
أعضاؤهُ وتحفَّزَ البطلان
ومشت بشوكت نخوةٌ عربيةٌ
تسمو إلى عمرٍ إلى عدنان
فتحاجزَ الجيشانِ ثمّ تناجزا
وتخاطبَ السيفانِ باللمعان
حتى إذا امتنعَ البُغاةُ بيلدزٍ
وتحالفوا بالأَصفرِ الرَّنان
وليَ الحسامُ رقابَهم فتضعضعوا
نَدَماً وقد غُلبوا على العصيان
والعدلُ يكتبُ آيةً بنجيعهِمْ
سيفُ الجريءِ بحقهِ سيفان
غسلَ الحسامُ دمَ البريءِ على الثَّرى
بدمِ الخؤونِ فرُوِّع الثقلان
غَسلوا الطهارةَ بالنجاسةِ فاغتدى
ثوبُ السلامِ ملوّنَ الأَردان
يا زهرةَ الأَحرارِ في روضِ العُلى
وشهيدَهُمْ في خدمةِ الأَوطان
لا بدعَ إن نسجوا غِشاءَ قلوبهِمْ
كفناً فلاْسمك أَشرفُ الأكفان
فقدتْ بك العربُ الفتى العربيَّ
والأتراكُ قد فقدُوا الفتى العُثماني
وبكتكَ أَهلُ اللاذقيةِ نائباً
يا زهرةَ النوابِ والأعيان
وبنو الدروزِ وأَنتَ غُرَّةُ وجههِمْ
لبسوا عليكَ مطارف الأحزان
أَخلصتَ للدستورِ جُلَّ شهادةٍ
طبعتْ صداقتهمْ بلونٍ قَاني
ورفعتَ نفسَكَ فوقَ أَشرفِ مذبحٍ
بمذابحِ الأَوطانِ كالقُربان
للهِ في بيروتَ نعشُكَ عائماً
يُزجى ببحرِ المدمع الهتَّان
أَعوادُهُ تعلو الرؤوس وحقُّهُ
أَنْ يَعتلي شرفاً على التِّيجان
يَمشُونَ حولكَ والمهابةُ حولَهُمْ
والمِسكُ يَصحبُهمْ مع الرَّيحان
حَسِبوهُ تحنيطاً يضوعُ وإنما
هو مِسكُ أَخلاقٍ وطيبُ جنَان
جاءوا بجثتكَ الضريحَ كأَنما
جاءُوا بآمالٍ لنا وأَمانِي
هالُوا على التبرِ التُّرابَ وقلَّدوا
جيدَ الثَّرَى يقلائدِ المَرجانِ
أَبا الأَمين وأنتَ أكبرُ مخلصٍ
للدولةِ العُليَا وأَشرفُ باني
تفديكَ من أَسَدٍ جريحٍ أُمَّةٌ
فدّيتَها بذخيرةِ الوِلدان
فدّيتَها بمحّمدٍ ومحّمدٌ
هو خيرُ مبعوثٍ إلى العُمران
رزأوك بالعَضُدِ اليمينِ وإنما
لك في انتصار الاتحاد يدان
فجعوكَ بالقمرِ المُنيرِ وإنما
لكَ في الأَمينِ وعارفٍ قَمران
كانُوا وأَنتَ البدرُ حولَكَ هالةً
صارَ التَّمامُ بها إلى نُقصان
إنَّ الصواعقَ لا يحلُّ بلاؤُها
إلاَّ على الأطوادِ والأركان
الخطبُ سهمٌ في الجوارحِ جارحٌ
قد يُتقَّى بمدارعِ السِّلوان
فالصبرُ للإنسانِ أفضلُ حِليةٍ
والحزنُ للإنسانِ رُزءٌ ثاني
فإذا رضيتَ العيشَ في ذُلٍّ تعشْ
جَذِلاً وكم من مَيتٍ جَذْلان
وإذا طلبتَ علىً فإنَّكَ موردٌ
للنفسِ مَوْرِدَ حلبةٍ وطِعان
إِنَّ العلاءَ دقائقٌ منثورةٌ
ذَرَّاتها في أَنْفُسِ الشّجْعان
فالمجدُ ضدٌّ للجبانةِ والونى
هيهاتِ أَنْ يتآلفَ الضِّدان
والمجدُ مِيراثٌ تقاسمهُ الوَرى
وذوو الفروضِ نوابغُ الأَزْمان
يا دولةً هَرِمتْ وعاد شَبابُهَا
بلاتِّحاد ونهضةِ الفتيانِ
لا تُرجعي عهدَ الظَّلامِ فعهدُهُ
عَودٌ إلى هرمٍ إلى خِذلان
إنَّ الرعيةَ أقسمتْ أَنْ تَفتدي
بنفوسِها حريةَ الأوطان
فحياتُنا بمماتِنا شرفٌ لنا
ومماتُنا بحياتِنا موتان
لا فرقَ ما بينَ الحياةِ وضدِّها
إِن عُومِلَ الإنسانُ كالحيوان
فاْبني على الصخرِ اتحادَكِ لا على
رمل اليمين وذمّة السلطان
وتدبري رأبَ الصُدوعِ بحكمةٍ
وتحصَّني بالعدلِ والأعوان
فالعدلُ يبني للملوكِ قصورَهُمْ
والظلمُ يهدمُ شامخَ البُنيان
واللّه أَنزل آيةً للعدلِ في
التوراةِ والإنجيلِ والقُرآن
قصائد سياسية الكامل حرف ن