العودة للتصفح الخفيف البسيط مجزوء الرمل
الحزن كالضحك حلو
علاء جانبمنذ فترة لست أعرف كم هي، بهتت العلاقة بين قلبي وبين فمي في لحظات الضحك، أصبحت أضحك لأن الكلام الذي يقال يُفترض أنه مضحكٌ!، أضحك من فمي ولهاتي، لكن لا أجد في قلبي تصديقا لهذا العبث الذي أسميه ضحكًا، أو أضحك لأن الموقف الذي يحدث يُشبه مواقف كنت أضحك منها قبل ذلك، أنا أفعل شيئا يشبه الضحك، أو ربما هذا ليس أنا، ولكنه أحد يشبهني أو تطوير لأناي التي كانت تضحك قديما، لا بأس، لقد اقتربت من كلام المجانين.
بدأت العلاقة بين عيني وبين معطيات الجمال أيضًا بدأت تفتر، فهذه السيدة تشبه أن تكون جميلة، لكن العاطفة فاترة، والمغامرة تقول إن هذا الهدف رخيص ولا يستحق، ولماذا تكون هذه السيدة جميلة وتلك السيدة غير جميلة؟!، هناك من يرى العكس لأن له رغبة في هذه، وليس له رغبة في تلك، الرغبة إذن هي الميزان!.
العلاقة بين لساني وبين الكلمات التي أتحدث بها أصبحت علاقة "جراهرجي"، يتخير ما يصطفيه لنفسه، فأصبح يستغني عن النحاس والتراب والحجارة والأشياء التي في ادخارها معنى، فأصبحت كثير الصيام عن الكلام، تنبهت الآن فقط أن عندي قصيدتين في ديوانيّ الأخيرين، واحدة بعنوان السكوت، والأخرى بعنوان أصوم عن الكلام.
الشهوة للكلام إذن هي السبب، والشهوة للكلام مدفوعة بميل نحو من نتكلم إليهم، فإذا فقدت العلاقة بين المتكلم والسامع ذهبت لذة الحديث، وبهتت الرغبة فيه، وأصبح السامع يرى المتكلم مثلما ترى امرأة ثلاثينية زوجها السبعيني .
كانت لذة كتابة الشعر عندي تشبه لذة التعامل مع امرأة حلوة عذبة الحديث، أو تذوق طعام شهيّ في حالة جوع، أو الاستمتاع بالماء العذب على لحظة ظمأ، أو هجمة نفحة عطر تباغت أنفاً يتوق إلى شمّ شيء طيب.
أصبحت أميل إلى تقليل قراءتي من الشعر ومن كتابته، ولا أعرف سرًا لذلك، ربما لأنني وثقت في الشعر أن يريحني من الحزن بعد وفاة محمود، وربما لأن محمود نفسه قد رحل ولم يعد يسمعني أو يسمع بي أو يسمع عني.
نعم، لقد أصبحت أقرأ الشيء الذي كان يحبه محمود أكثر، محمود كان يحب القرآن ويتعلق به، والحقيقة الرهان على القرآن في مقابل الرهان على الشعر، يجعل الشعر كالمعز قياسًا إلى حصان عربي أصيل، ولله المثل الأعلى.
لا أخفيكم كنت في الماضي القريب منذ خمسة أشهر فقط مهتمّا بأن أكون جذابًا، وجميلا، وأنيقاً، كنت أتعهد شعري وملابسي، وأدخر من نفقاتي ثمن العطر، وعلبة السجائر، التي كنت أراها تكمل أناقة الشاب المتفتح، واكتشفت بعد ذلك أنها ليست كذلك .
بهتت العلاقة أيضا بيني وبين حب الأناقة، بعد أن كنت لا أقتنع إلا بأن أكوي ملابسي لنفسي، حفاظا على أن يكون القميص مشدودا كما لو كان قطعة من سماء.
كنت أحب اللون الأزرق كثيرا، لذلك تجدونني متعلقًا به، لأنه يجعلني أشعر بمكاني الطبيعي، أنا نجم (وهذا شعور قديم)، لذلك يجب أن أرتدي السماء، وأن أحاور الأقمار، لا يغرنكم تواضعي فأنا في قرارة نفسي أشعر أنني عظيم القيمة رفيع القدر.
أصبحت أميل كثيرا إلا لبس الرصاصي والرمادي والكحلي والأسود، وأنظر كثيرا إلى الأرض، كلما لمست قدماي الأرض، أشعر أنني هنا ويجب أن أكون هنا، لم أعد نجما، أنا حجرٌ منطفئ، مجرد حجر، ساهمت السنون شيئا فشيئا في سلب الضوء وسرقته من النجم، وترسيخ فكرة الحجرية، والانتهاء إلى البداية، والتقاء الأضداد عند النقطة صفر من الدائرة السديمية.
السماء خدعة لأنها بعيدة ،كل ما هو بعيد خدعة ،كونه خدعة لا يعني انتفاءه لكن يعني لا جدواه، لذلك فالطموح مؤلم لغير القادرين، ما الفائدة أن أنظر إلى سيارة فارهة، وأنا لا أمتلك ثمن حذاء يمنع الحر والشوك والحفاء عن قدمي العارية؟.
هذا كلام العواجيز؟ أم كلام الحكماء؟ هل العواجيز هم الحكماء؟ أصبحت أسخر بيني وبين نفسي من حيل ابني، وهو يتحيل الفرصة لكي يحدث بنتًا يحبها، وأقول غدًا ستنظر إلى كل هذا وتضحك مثلي.
حين يسألني "عمر" أسئلة الأولاد ذوي الخمسة الأعوام، أجدني أريد أن أقول له صدقني أنا مثلك، وخبراتي ذات السبع والأربعين سنة، لعلها عند مخلوقات أخرى كالأرض مثلا، أقلّ من خبرتك بالنسبة لي، لا شك أن الأرض تضحك مني ومن أسئلتي، كما ربما تضحك من خبرات الأراضي كائنات أكبر منها وأقدم عمرا.
الحياة ليست مجرد الحياة، وإنما هي الرغبة في الحياة، والرغبة في الحياة قوامها العافية والشباب والأمل، أنا حتى لا أدري لماذا أكتب هذا الكلام الذي ربما أحذفه قبل أن أنشره، أو بعد نشره ببضع ساعات، أليس سيكون منسيّا؟ ألستُ أنا شخصيا سأصير منسيًا؟.
أعرف أنكم ستكرهون هذا اللون القاتم من الكتابة الشائخة، لا بأس اكرهوها واكرهوني معها، ربما يتمشى في الغصن اليابس بعض الماء فيورق كشتلات العنب، التي تتبرعم فيها الحياة حين تنغرس في الأرض.
نهاركم طيب، ورمضانكم مقبول.
قصائد مختارة
نفرت والظباء ذات نفار
مصطفى صادق الرافعي نفرتْ والظباءُ ذاتَ نفارِ وتجنتْ عليهِ ذاتَ السوارِ
لله درك يا عباس قارئة
ابن الرومي للَه درُّكَ يا عباس قارئةً لقد عَلَوتَ فلم يبْلُغك مقياسُ
الأرض والإنسان
فاروق جويدة عانقت بين جفونك الأزهارا ورأيت ليل العمر فيك نهارا
الخارجون عن الشرائع والسنن
عبد العزيز جويدة الخارجونَ عنِ الشرائعِ والسُّننْ هُم مَارقونَ وقِلَّةٌ مُندسَّةٌ
إنما الأخرى كشرق
المفتي عبداللطيف فتح الله إِنّما الأُخرى كَشَرقٍ والدُّنى تُشبِهُ غَربا
عودة المحارب
علي محمود طه اُرْقُصي، يا نجومُ، في الليلِ حولي واتبعي، يا جبالُ، في الأرضِ ظِلِّي