السيرة الذاتية
يُعدّ الشيخ يوسف بن علي آل الفقيه العاملي الحاريصي، المعروف بالشيخ يوسف الحاريصي، علماً بارزاً من أعلام جبل عامل في لبنان خلال القرن العشرين، حيث جمع بين التفوق في العلوم الدينية والمشاركة الفاعلة في الشؤون العامة والسياسية. وُلد في قرية حاريص بمنطقة جبل عامل اللبنانية عام 1880 للميلاد، ونشأ فيها متلقياً علومه الأولية التي مكنته من إتقان القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم في فترة وجيزة، ما دلّ على نبوغ مبكر وذكاء حاد.
تتلمذ الشيخ الحاريصي في مستهل حياته على يد شيوخ بلدته، فدرس علوم اللغة العربية من نحو وصرف، وتعمق في المنطق والمعاني، بالإضافة إلى اطلاعه على مبادئ الفقه والأصول. لم تقتصر رحلته العلمية على موطنه، بل شدّ الرحال إلى النجف الأشرف في العراق، والتي كانت آنذاك ولا تزال منارة للعلم الديني ومقصد طلاب المعرفة من شتى بقاع العالم الإسلامي. هناك، قضى سنين في التحصيل والتوسع في الدراسات الحوزوية على أيدي كبار علمائها، ليصبح بذلك مجتهداً ومتمكناً في فنون العلم الشرعي. عاد إلى لبنان عام 1325 هجرية (الموافق 1907 للميلاد تقريباً) حاملاً معه زاداً وفيراً من العلم والمعرفة.
بعد عودته، لم ينعزل الشيخ يوسف الفقيه عن مجتمعه، بل انخرط في العمل العام، مما أكسبه مكانة مرموقة بين الخاصة والعامة. وقد اختير عضواً في محكمة التمييز ببيروت، وهو ما يعكس ثقة الدولة في علمه وفقهه وقدرته على الفصل في القضايا، مؤكداً دوره الذي تجاوز المجال الديني البحت إلى المشاركة في بناء المؤسسات القضائية. ترك الشيخ الحاريصي خلفه إرثاً غنياً من المؤلفات التي تتناول مختلف جوانب الفقه والعقيدة والردود العلمية، فمنها ما طُبع وانتشر، ومنها ما بقي مخطوطاً يشهد على عمق فكره واتساع معرفته.
من أبرز مؤلفاته المطبوعة "مصابيح الفقيه"، و"المدنية والإسلام" الذي يعكس رؤيته لموقع الإسلام في سياق الحداثة، و"حقائق الإيمان"، بالإضافة إلى "القول السديد في التثبيت والتوحيد"، و"الحول والتعصيب"، و"شرع الشرائع" في مجلداته الضخمة، فضلاً عن "الحق اليقين في دحض مزاعم الوهابيين" الذي يُظهر موقفه الفكري من القضايا العقائدية المعاصرة. كما تضم مكتبته مخطوطات قيمة مثل "الشذرات العاملية" و"رسالة في أحكام الأرضين" و"رسالة في الشفعة" و"رسالة في طهارة أهل الكتاب" و"رسالة في المتعة".
وافته المنية في بيروت يوم الاثنين الموافق 26 من جمادى الأولى عام 1377 للهجرة، الذي يوافق 16 ديسمبر 1957 للميلاد. وقد ووري الثرى في مسقط رأسه حاريص، بدفن استثنائي في ديوانه الخاص الذي كان يستقبل فيه ضيوفه ومريديه، ليبقى ذكره خالداً كأحد علماء جبل عامل الأجلاء الذين تركوا بصمة واضحة في الفقه والأدب والعمل العام.
الأسلوب الشعري
تميز أسلوبه الأدبي بالرصانة والوضوح في كتاباته الفقهية والعقائدية. لم يكن يُعرف عنه الشعر كمهنة رئيسية، بل كان تركيزه الأساسي على النثر العلمي والديني الذي اتسم بالدقة والعمق في تناول المسائل الشرعية.