السيرة الذاتية
يُعدّ الشاعر خالد بن مصطفى بن بكري بن مصطفى زريق، الذي أطلّ على الدنيا في دومة بريف دمشق عام 1875م، أحد أعلام الشعر السوري في مرحلة مفصلية شهدت فيها المنطقة تحولات عميقة سياسياً واجتماعياً وأدبياً. ارتبطت حياته ارتباطاً وثيقاً بوطنه، متنقلاً بين ربوع سوريا، وبالأخص دوما ودمشق والسلمية، لتنهل تجربته من ينابيع الثقافة المحلية العريقة. نشأ زريق في بيئة علمية ودينية، حيث تلقى أولى علومه في الكتّاب على يد الشيخ أحمد ملا عيسى، فتعلم القراءة والكتابة وأتقن تلاوة القرآن الكريم، مما أرسى لديه أساساً متيناً في اللغة العربية وعلومها.
توسعت معارفه حين انتقل إلى جامع دوما الكبير، حيث تتلمذ على يد الشيخ محمد عثمان الخطيب، فاستفاض في دراسة الفقه والتفسير والحديث الشريف. لم تكن هذه العلوم الباطنية وحدها ما شغف بها، فقد بدأ يميل إلى نظم الشعر وهو في السادسة عشرة من عمره، متفاعلاً مع المناسبات الاجتماعية المحلية، مما يدل على موهبة فطرية مبكرة. وعند بلوغه العشرين، شهدت دراسته نقلة نوعية، إذ نهل من معين كبار علماء عصره في دمشق، أمثال العلامة طاهر الجزائري، وشيخ القراء محمود الحمزاوي، والفقيه محمد العطار، فتعمق في علوم البلاغة والعروض والقواعد اللغوية، كما درس علم التوحيد على يد الشيخ أحمد الشطي، مما صقل ملكته اللغوية والفكرية.
لم يتفرغ زريق للأدب وحده، بل انخرط في الحياة العملية مبكراً، فعمل في التجارة لتدبير شؤون رزقه، وهي مهنة منحته الخبرة العملية والتعرف على طبقات المجتمع. وفي عام 1907، التحق بالسلك الوظيفي الحكومي، حيث عين كاتباً في الجباية المالية، مما اقتضى تنقله في عدة مناطق سورية. هذه التنقلات أثرت تجربته الحياتية وزادت من اطلاعه على أحوال الناس، واستمر في وظيفته هذه حتى أحيل إلى التقاعد عام 1935، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والعمل.
كان خالد زريق يتمتع بشخصية آسرة، فقد عُرف بذكائه الوقاد وموهبته الفطرية، وحلو الحديث وسرعة البديهة، وقد كان بارعاً في ارتجال النكت والنوادر التي كانت تضفي على مجالسه بهجة خاصة. لم تقتصر مواهبه على الشعر واللغة، بل كان له إلمام واسع بعلم النغم والموسيقى، يتذوق الألحان بوعي فني رفيع، ويحسن تأليف الموشحات، مما يدل على تفتح روحه الفنية وتعدد اهتماماته الثقافية. وقد أثرى الساحة الشعرية بنظم قصائد في كافة الأغراض الشعرية، من مدح ورثاء ووصف وغزل، مما يعكس شمولية رؤيته ومرونة قريحته.
ورغم غزارة إنتاجه، إلا أن جانباً كبيراً منه بقي حبيس المخطوطات. فقد تضمنت ترجمته في كتابي «شعراء من دوما» و«أعلام الأدب والفن» عدة قصائد وقطع شعرية مختارة، إلا أن أهم أعماله المخطوطة هي مختارات شعرية جمعها قريبه صالح زريق (1890-1958)، والتي لم ترَ النور بعد. رحل خالد زريق عن عالمنا في مسقط رأسه بدومة عام 1938، تاركاً خلفه إرثاً شعرياً ينتظر البحث والتنقيب ليكتمل تقدير قيمته في سماء الشعر السوري الحديث.
الأسلوب الشعري
اتسم أسلوبه بالمرونة والقدرة على نظم الشعر في مختلف الأغراض التقليدية، مع ميل إلى الموشحات التي تظهر إلمامه بعلم النغم والموسيقى، وتميز شعره بالذكاء وعمق المعنى مع قدرة على الارتجال والفكاهة في مناسبات خاصة.