السيرة الذاتية
لسان الدين ابن الخطيب، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد السلماني، علمٌ من أعلام الأندلس المتأخرة وشخصية موسوعية فذة جمعت بين براعة الأدب وصرامة السياسة. وُلد هذا العبقري الفذ في غرناطة عام 1313 للميلاد (713 للهجرة)، في كنف أسرة عريقة اشتهرت بـ"بني الوزير"، وترجع أصولها إلى مدينة لوشة الأندلسية. نشأ ابن الخطيب في بيئة علمية وثقافية غنية، وتلقى تعليمًا واسعًا شمل الفقه والأدب والتاريخ والفلسفة، مما مهد له الطريق ليتبوأ مكانة مرموقة في بلاط بني الأحمر.
لم تقتصر مواهب ابن الخطيب على الجانب الأكاديمي، بل امتدت لتشمل القدرة الفائقة على الإدارة والتدبير. فبعد أن لمع نجمه شابًا، تقلّد منصب الوزارة في دولة بني الأحمر بغرناطة، في عهد السلطان أبي الحجاج يوسف الأول، ومن بعده ابنه محمد الخامس الغني بالله. وقد لُقّب بـ"ذي الوزارتين" للدلالة على جمعه بين "وزارة القلم" التي تعبر عن براعته الأدبية وكتاباته المتنوعة، و"وزارة السيف" التي تشير إلى دوره الحيوي في إدارة شؤون الدولة والقيادة السياسية. كما نال لقب "ذي العمرين" لشغفه الذي لا يهدأ بالكتابة والتصنيف ليلاً، وتصريف أمور الدولة نهارًا، مما يدل على همته العالية وإنتاجه الغزير.
كانت الأندلس في تلك الحقبة مسرحًا للاضطرابات السياسية والمنافسات الشديدة، ولم يسلم ابن الخطيب من سهام الحسد والوشايات. ففي عام 773 للهجرة (1372م تقريباً)، شعر بخطر يتهدده في غرناطة، فآثر الرحيل إلى المغرب الأقصى بعد مراسلات مع السلطان المريني أبي فارس عبد العزيز بن علي، الذي أكرم وفادته واستقبله بحفاوة بالغة في تلمسان ثم فاس، حيث استقر وأُعيدت له حظوته، وضمّ إليه أهله وأولاده الذين قَدِموا إليه من الأندلس مُكرَمين. ولكن الأقدار لم تمهله طويلاً، فبعد وفاة السلطان عبد العزيز وتغيّر موازين القوى في المغرب، عاد محمد الخامس الغني بالله إلى عرش غرناطة، وتحالف مع السلطان المستنصر أحمد بن إبراهيم، واشترط عليه تسليم ابن الخطيب.
قبض السلطان المستنصر على لسان الدين، وأُقيمت له محاكمة سياسية في فاس، اتُّهم فيها بالزندقة والفلسفة، وهي تهمٌ كانت غالبًا ما تُوجّه للعلماء ذوي الفكر الحر في تلك العصور. ورغم دفاعه عن نفسه، صدرت الفتاوى بقتله من بعض الفقهاء الذين تأثروا بالضغط السياسي. وفي مشهد مأساوي يعكس وحشية الصراع على السلطة، دُسّ رجالٌ إلى سجنه ليلاً فخنقوه عام 1374 للميلاد (776 للهجرة)، ودُفن جسده في مقبرة "باب المحروق" بفاس. ورغم هذه النهاية المفجعة، ترك لسان الدين ابن الخطيب إرثًا ثقافيًا ومعرفيًا لا يُحصى، تمثل في أكثر من ستين مؤلفًا شملت التاريخ، الأدب، الجغرافيا، والطب، إضافة إلى ديوان شعري ثري، مما يجعله واحدًا من أبرز علماء الأندلس وأدبائها الذين أثروا المكتبة العربية إثراءً عظيماً، وأشهر قصائده الغنائية "جادك الغيث إذا الغيث همى".
الأسلوب الشعري
يتميز أسلوبه الشعري بالرقة والعذوبة، والميل إلى الوصف الدقيق للطبيعة والعواطف، مع حضور قوي للغزل والرثاء، ويعكس عمق ثقافته وفصاحته، ويمزج بين الجانب الرومانسي والتأملي.