السيرة الذاتية
يُعد العلامة محمد المكي بن مصطفى بن عزوز الحسني الإدريسي المالكي أحد أبرز فقهاء وعلماء الحديث في شمال أفريقيا خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الميلادي، وقد أسهم إسهامًا جليلاً في إثراء المكتبة الإسلامية وتدريس علومها. وُلد في مدينة نفطة، الواقعة في منطقة الجريد بجنوب تونس، في الخامس عشر من رمضان عام 1270 هـ الموافق لعام 1854 م. تعود أصوله إلى أسرة جزائرية عريقة في العلم والتقوى، حيث هاجر والده من الجزائر فرارًا من وطأة الاحتلال الفرنسي، مستقرًا في تونس، لتُشكل هذه الظروف المبكرة بيئة خصيبة لنمو المكي في أحضان العلم والزهد. تولى والده، الشيخ مصطفى بن عزوز، الإشراف المباشر على تربيته وتعليمه في زاويته الشهيرة، حيث تمكن من حفظ القرآن الكريم قبل بلوغه الحادية عشرة من عمره، متزامنًا مع شغفه بحفظ المتون ودراسة العلوم الشرعية واللغوية.
تلقى الشيخ المكي بن عزوز تعليمه الأولي في بلدته نفطة على يد شيوخ أجلاء، كان منهم الشيخ قاسم الخيراني الذي لازمه في دراسة شروح الأجرومية وابن عاشر، كما خاض غمار علم الفرائض والفلك وألفية ابن مالك ومختصر خليل. وتعمق في دراسة الحديث الشريف على عمه الشيخ محمد المدني بن عزوز، الذي قرأ عليه سنن الترمذي. في عام 1292 هـ (1875 م)، شد الرحال إلى تونس العاصمة ليلتحق بجامع الزيتونة المعمور، وهو في ريعان شبابه، حيث تتلمذ على يد نخبة من كبار العلماء، مثل مفتي المالكية الشيخ عمر بن الشيخ الذي نهل منه المحلى على جمع الجوامع والموطأ ومختصر السعد. كما لازم الشيخ محمد النجار لدراسة مقامات الحريري بشرح الشريشي الكبير، والمغني والسيوطي وشرح التفتازاني، إضافة إلى تتلمذه على يد الشيخ سالم بوحاجب. واختص في علم القراءات، حيث أخذ القراءات السبع رواية ودراية عن الشيخ محمد البشير التواتي.
بعد مسيرة علمية حافلة، عُيّن الشيخ المكي مفتيًا لمدينة نفطة عام 1297 هـ، ثم تقلد منصب القضاء فيها، ما يعكس مكانته العلمية والاجتماعية الرفيعة. عاد إلى تونس العاصمة في عام 1309 هـ، ثم كانت له رحلة علمية بارزة إلى الآستانة (إسطنبول) عام 1313 هـ، مركز الخلافة العثمانية آنذاك، حيث حظي بتقدير كبير، وتولى تدريس علم الحديث الشريف في دار الفنون العثمانية ومدرسة الواعظين، ليمتد تأثيره الفكري خارج حدود وطنه. استمر في نشر العلم والمعرفة بتفانٍ وإخلاص حتى وافته المنية في إسطنبول عام 1334 هـ الموافق 1916 م، تاركًا خلفه إرثًا علميًا وفقهيًا غنيًا يشهد على علو كعبه وشموخ مكانته في عالم العلماء والمفكرين.
الأسلوب الشعري
يُعرف محمد المكي بن عزوز بكونه عالمًا فقيهًا ومحدثًا بارزًا، ولم يُشتهر بإنتاجه الشعري بقدر اشتهاره بمنجزاته العلمية والفقهية. أسلوبه في الكتابة كان يتسم بالرصانة والوضوح والعمق الفقهي والتحليلي، مع التركيز على دقة الألفاظ ومتانة الحجج، مما يعكس طبيعة كتاباته في علوم الحديث والفقه والتفسير.