السيرة الذاتية
ابن نباتة المصري هو جمال الدين أبو بكر محمد بن محمد بن محمد بن الحسن الجذامي الفارقي المصري، أحد أبرز أدباء العصر المملوكي وشعرائه الأفذاذ. وُلد في القاهرة عام 688 هـ (الموافق 1289 م)، وهي المدينة التي شهدت نشأته ومسيرة حياته، وفيها وافته المنية عام 768 هـ (الموافق 1367 م). يعود نسبه إلى ميافارقين، مما يشير إلى جذور عائلته في بلاد الشام قبل استقرارها في مصر. نشأ في بيت علم وأدب، فهو من ذرية الخطيب الشهير عبد الرحيم بن محمد بن نباتة، ما غرس فيه حب المعرفة والفصاحة منذ صغره.
لم يقتصر دور ابن نباتة على الشعر وحسب، بل كان كاتباً مترسلاً من الطراز الرفيع، متمكناً من فنون النثر وأساليب الكتابة الأدبية المتقنة. أسهمت ثقافته الواسعة ومهاراته الإدارية في تقلده مناصب مهمة. ففي عام 715 هـ، انتقل للعيش في بلاد الشام، وتحديداً في القدس، حيث تولى منصب "نظارة القمامة". هذا المنصب، على خلاف ما قد يوحي به اسمه، كان ذا شأن عظيم في العصر المملوكي، إذ كان يشمل الإشراف على أوقاف المسجد الأقصى ومرافقه، وتنظيم أمور الزوار والحجاج، لاسيما المسيحيين، وهو ما يدل على ثقة الدولة في كفاءته وقدرته على إدارة الأمور الحساسة.
عاد ابن نباتة إلى القاهرة في عام 761 هـ، ليتقلد فيها منصباً رفيعاً آخر كـ "صاحب سر" للسلطان الناصر حسن، ما يؤكد قربه من دوائر الحكم ومركزية دوره في البلاط السلطاني. تميزت حياته بتواصله الأدبي المكثف مع كبار عصره، ومن أبرزهم العلاّمة صلاح الدين الصفدي، الذي أفرد لمراسلاته معه نحو خمسين صفحة في مؤلفه "ألحان السواجع"، دلالة على منزلته الأدبية الرفيعة والمحورية. ترك ابن نباتة المصري ثروة أدبية خالدة، من أهمها "ديوان شعره" المطبوع الذي يعكس براعته الشعرية وفصاحته، وكتابه القيّم "سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون" الذي يبرز مدى تعمقه في تراث الأدب العربي الكلاسيكي ومهارته في الشرح والتحليل. كما يُنسب إليه "سجع المطوّق" وهو مخطوط يضم تراجم وغيرها. تُجلى في أعماله الدقة اللغوية، وجمال التعبير، وقوة الأسلوب، مما جعله علماً من أعلام الأدب العربي في عصره.
الأسلوب الشعري
امتاز أسلوبه الشعري بالفصاحة والبلاغة والجزالة، مع ميل واضح إلى "الصنعة" التي كانت سمة بارزة في أدب العصر المملوكي، حيث يظهر الاهتمام بالتنميق اللفظي والبديع دون الإخلال بجمال المعنى. كما عكست كتاباته النثرية براعته في فن الرسائل والمقامات.