السيرة الذاتية
يُعدّ شوقي مجيد أبي شقرا، الذي وُلد في بيروت عام 1935 ورحل في عام 2024، قامةً شعرية لبنانية وعربية بارزة، وشخصية محورية في المشهد الثقافي الحديث. اشتهر بكونه أحد رواد قصيدة النثر في العالم العربي، وأحد الممهدين للتيار السريالي في الشعر اللبناني، مما جعله محط اهتمام النقاد والدارسين الذين تناولوا تجربته بعمق في رسائل الماجستير والدكتوراه.
على الرغم من ولادته في العاصمة اللبنانية، إلا أن سنوات طفولته المبكرة وشخصيته تشكلت بشكل كبير في ربوع قريتي رشميّا ومزرعة الشوف الجبليتين، حيث كان والده يعمل في سلك الدرك. شكل حادث وفاة والده المأساوي عندما كان في العاشرة من عمره نقطة تحول عميقة في حياته، دفعته إلى الانزواء في عالم الكتابة كملجأ من وحشة الفقد، ما أسس لجانب التأمل والعمق في شعره. تلقى تعليمه الأولي في دير مار يوحنا برشميا، ثم انتقل ليكمل دراسته في معهد الحكمة ببيروت، وتخرج منه عام 1952، مما جمع في تكوينه بين روح الريف وصقل المدينة. وقد أسس حياته الشخصية بزواجه من حلوة باسيم، وأنجبا ثلاثة أبناء هم: مونيك، وماجد، وناجي.
بدأ أبي شقرا مسيرته الأدبية بتجارب أولية باللغة الفرنسية، ثم اتجه نحو أشكال الشعر العربي التقليدية كالشعر العمودي وشعر التفعيلة. إلا أن نقطة التحول الكبرى في مساره الشعري تجلت في ديوانه الثالث "ماء إلى حصان العائلة" الصادر عام 1962، حيث تبنى قصيدة النثر بوضوح وجسارة، مُفجرًا طاقات تعبيرية جديدة. هذا الديوان لم يكن مجرد عمل فني، بل كان بيانًا شعريًا رسخ مكانته كصوت حداثي رائد، ونال عنه جائزة مجلة "شعر" المرموقة، التي كانت منبرًا للحداثة الشعرية آنذاك.
لم تقتصر مساهماته على الإبداع الفردي، فقد كان جزءًا فاعلًا في الحراك الثقافي. شارك في تأسيس "حلقة الثريا" مع كوكبة من المثقفين أمثال إدمون رزق وجورج غانم وميشال نعمة. كما انضم لاحقًا إلى مجلة "شعر" الرائدة، حيث عمل سكرتيرًا للتحرير إلى جانب رواد الحداثة الشعرية العربية كأدونيس ويوسف الخال وأنسي الحاج ومحمد الماغوط، مما وضعه في قلب المشهد الثقافي الطليعي. وعلى الرغم من مشاركته في ترجمة نصوص شعرية فرنسية لشعراء كبار أمثال رامبو وأبولينير وريفيردي، إلا أن مشروعه الشعري ظل متجذرًا في بيئته ولغته الأم.
يُلقب شوقي أبي شقرا بـ "شاعر السريالية الريفية"، وهو وصف يختزل جوهر أسلوبه الفريد. فقد استلهم صوره الشعرية من الطبيعة اللبنانية البكر والريف بجباله وحقوله ونباتاته، ثم مزجها بخيال سريالي مدهش وروح فكاهة عميقة، مما أحدث نوعًا من الانزياح الدلالي لمفردات عادية لتكتسب أبعادًا غرائبية. تميز شعره بلغة رشيقة شفافة، عذبة وعميقة في آن واحد، لا تخلو من المفارقة الذكية والبعد الفلسفي، فكانت كل جملة تحمل في طياتها دهشة الاكتشاف.
إلى جانب عطائه الشعري، ترك أبي شقرا بصمة واضحة في العمل الصحفي الثقافي. يُنسب إليه تأسيس أول صفحة ثقافية يومية في الصحافة اللبنانية، وذلك في جريدة "النهار" عام 1964، والتي تولى إدارتها لأكثر من ثلاثة عقود ونصف، لتصبح منبرًا يوميًا للتفكير والنقد الأدبي. بعد مغادرته "النهار" عام 1999، استمر في عطائه الصحفي بالانضمام إلى جريدة "الغاوون" منذ عام 2008، مواصلاً بذلك دوره في إثراء المشهد الثقافي. من أبرز أعماله الشعرية، بالإضافة إلى "ماء إلى حصان العائلة"، دواوين مثل "سنجاب يقع من البرج" (1971)، و"حيرتي جالسة تفاحة على الطاولة" (1983)، و"صلاة الاشتياق على سرير الوحدة" (1995)، و"شوقي أبي شقرا يتذكر" (2017). لقد وصفه الشاعر الكبير محمد الماغوط بأنه "المرشد الجمالي واللغوي لجماعة شعر"، شهادة تعكس عمق تأثيره، بينما ظل أبي شقرا يتميز بتواضع جم تجاه تجربته الشعرية الخصبة، مُجسدًا بذلك روح المثقف الحقيقي الذي يترك لأعماله أن تتحدث عنه.
الأسلوب الشعري
يتميز أسلوبه بدمج صور الريف اللبناني والواقع اليومي مع لمسة سريالية وفكاهة عميقة، بلغة رشيقة وشفافة، تخلق مفارقة ودهشة، مع ميل لتحويل المفردات التقليدية إلى دلالات غرائبية وفلسفية.