السيرة الذاتية
سلمى الخضراء الجيوسي، قامة أدبية فلسطينية بارزة، وُلدت عام 1926 في السلط بالأردن، وعاشت طفولة متنقلة بين عكا والقدس، حاملةً في تكوينها الثقافي جذوراً فلسطينية من صفد ولبنانية درزية من والدتها. هذا التنوع الجغرافي والثقافي أثرى رؤيتها للعالم، ومهد لها طريقاً لخدمة الجسور بين الحضارات. تلقت تعليمها الجامعي الأول في الجامعة الأمريكية ببيروت، ثم تعمّقت في دراستها الأكاديمية لتحصل على درجة الدكتوراه في الأدب العربي من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن عام 1970، حيث قدمت أطروحة رصينة حول اتجاهات الشعر العربي الحديث، مما كشف عن فهمها العميق لحركة التجديد الشعري في عصرها.
بدأت مسيرتها المهنية بالتدريس في دار المعلمات بالقدس، ثم اتسع نطاق عملها الأكاديمي ليشمل العديد من الجامعات المرموقة في العالم العربي والولايات المتحدة، منها جامعات الخرطوم والجزائر وميشيغان وواشنطن وتكساس، حيث كرّست جهودها لتدريس الأدب العربي ونقده. لكن إسهامها الأبرز على الساحة الدولية تجلى في تأسيس مشروع "بروتا" (PROTA) عام 1980، وهو مبادرة رائدة تهدف إلى ترجمة الأعمال الأدبية والثقافية العربية إلى اللغة الإنجليزية. لم يكن "بروتا" مجرد مشروع ترجمة، بل كان جسراً ثقافياً لا غنى عنه، نقل روائع الشعر والرواية والمسرح العربي الحديث إلى القارئ الأنجلوساكسوني، وغير الصورة النمطية للأدب العربي في الغرب، مقدماً إياه بأصالته وعمقه وتنوعه.
على الرغم من انشغالاتها الأكاديمية والترجمية، لم تتخل الجيوسي عن صوتها الشعري الخاص. فقد أصدرت ديوانها الوحيد "العودة من النبع الحالم" عام 1960، الذي عكس رؤاها الجمالية والإنسانية. كما شاركت بفاعلية في النقاشات الحادة حول التجديد الشعري التي شهدتها الساحة العربية في منتصف القرن العشرين، واقفةً إلى جانب رواد مثل السيّاب وأدونيس ونازك الملائكة، ومدافعةً عن رؤية منفتحة ومتطورة لأشكال التعبير الفني. تركت الجيوسي وراءها أيضاً ذخيرة من الترجمات القيمة، شملت أعمالاً روائية لكتاب بارزين مثل سحر خليفة ويوسف القعيد وإبراهيم نصر الله، ودواوين وسيراً ذاتية لشعراء عظام كأبي القاسم الشابي وفدوى طوقان ونزار قباني، بالإضافة إلى عدة مؤلفات موسوعية بالإنجليزية تعد مراجع أساسية في دراسة الأدب والحضارة العربية، مثل "الشعر العربي الحديث" و"الأدب الفلسطيني الحديث" و"الحضارة الإسلامية في الأندلس".
نالت الجيوسي تقديراً عالمياً كبيراً لجهودها الرائدة، حيث حصدت جوائز وأوسمة رفيعة، من بينها جائزة الشيخ زايد للكتاب – شخصية العام الثقافية عام 2020، وجائزة العويس للإنجاز الثقافي والعلمي، ووسام الثقافة والعلوم والفنون الفلسطيني من درجة الإبداع عام 2019. رحلت سلمى الخضراء الجيوسي في العشرين من أبريل عام 2023، تاركةً إرثاً فكرياً وثقافياً ضخماً، وسمعةً كواحدة من أبرز سفيرات الأدب العربي إلى العالم، ورائدة من رائدات الفكر النسوي العربي اللواتي أثرين المشهد الثقافي العالمي.
الأسلوب الشعري
اتسم أسلوبها الشعري برؤية عميقة وجدانية، مع ميل للتجديد ومواكبة الحداثة، وتأثر بالواقع العربي المعاش والتطلعات الإنسانية، متفاعلاً مع سجالات التجديد الشعري في عصرها بذهنية منفتحة ومجددة.