السيرة الذاتية
محمد بن أحمد البوزيدي السلماني، الشريف الحسني، يُعدّ من الأقطاب الروحية التي أنارت دروب التصوف في المغرب الأقصى خلال أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر الميلادي، مقدمًا نموذجًا فريدًا للعالم الصوفي المتجرد. بدأت مسيرة حياته بتكريس نفسه لتعلم القرآن الكريم وإتقان تجويده، ما منحه أساسًا معرفيًا متينًا وإدراكًا عميقًا للنصوص الدينية، قبل أن ينقطع عن مشاغل الدنيا لينخرط في رحلة طويلة من السياحة والعبادة، مبتغيًا التفرغ التام للتقرب من الله والسعي نحو الكمال الروحي.
كانت رحلته إلى مدينة فاس نقطة مفصلية، حيث التقى بالشيخ العربي الدرقاوي، مؤسس الطريقة الدرقاوية الصوفية، وتتلمذ على يديه. لزم البوزيدي شيخه سنوات عديدة، نهل خلالها من فيض توجيهاته التربوية الصارمة، حتى بات من أبرز مريديه وخلفائه الذين حملوا راية الطريقة ونشروا تعاليمها في مختلف أنحاء المغرب. وقد لعبت الدرقاوية دورًا محوريًا في تجديد الحركة الصوفية بالمنطقة، مركزة على الزهد والعمل والذكر الصريح.
المثير للإعجاب في سيرة البوزيدي هو قدرته على إثراء المكتبة الصوفية بمؤلفات قيّمة، على الرغم من كونه أميًا لا يتقن القراءة والكتابة. فقد كانت أعماله تُروى إملاءً على تلاميذه، مما يؤكد على عمق فكره وقوة ذاكرته وقدرته على صياغة المعاني الروحية. من أشهر هذه المؤلفات "التائية في الخمرة الأزلية"، وهي قصيدة صوفية بليغة تُعد من عيون الشعر الصوفي، إذ تكشف عن أسرار المعرفة الإلهية وتجليات المحبة الصوفية. وقد حظيت هذه التائية بشرح مفصل من قبل العالم الصوفي الكبير أحمد بن عجيبة، مما زادها قيمة وأثرًا في التراث الصوفي المغربي. بوفاته عام 1229هـ الموافق 1813م، ترك محمد البوزيدي إرثًا خالدًا من الأدب الصوفي والتوجيه الروحي، وما زالت تعاليمه وأشعاره مرجعًا للمريدين والباحثين في التصوف.
الأسلوب الشعري
شعر صوفي عميق، يتسم بالبلاغة والمعاني الروحية حول المحبة الإلهية والمعرفة اللدنية، ويعكس تجلياته الوجودية والزهدية.