السيرة الذاتية
جحيفة الضبابية، شاعرة بارزة من قبيلة عامر بن صعصعة العريقة، تحديدًا من فرع بني كلاب، الذي اشتهر بإسهاماته الكبيرة في الأدب العربي، والذي تنتمي إليه شخصيات تاريخية كالأميرة ذات الهمة. وُلدت جحيفة ونشأت في بلدة التَّيْمَن الواقعة ضمن أراضي بني كلاب في قلب الجزيرة العربية، ما يشير إلى ارتباطها الوثيق بالبيئة البدوية الأصيلة وتقاليدها.
تُعدّ أخبارها وبعض من شعرها من محفوظات أبي علي الهَجَري في كتابه النفيس "التعليقات والنوادر"، والذي يُعدّ مرجعًا مهمًا للشعر والأنساب في تلك الفترة المبكرة من الإسلام. وقد حرص الهَجَري على تدوين لقاءاته مع الشعراء والشواعر والشيوخ، مما ضمن وصول صوت جحيفة إلينا. ومن الجدير بالذكر أن اسمها قد ورد في بعض النسخ المطبوعة محرفًا إلى "جَحْفِيَة"، لكن التحقيق اللغوي أثبت أن الصواب هو "جحيفة".
تُظهر سيرة جحيفة الضبابية أن الشعر كان متأصلًا في عائلتها، فقد كانت أمًا لعدد من الشعراء. من أبنائها الشاعر الشهير الشُّهَاق، واسمه نَهَار بن سِنان، وشقيقه رُومي. كما أنجبت من زوجها الثاني، قُرّة - الذي يُقال إنه عُقبة بن عياض اللّبيدي - ابنًا آخر اسمه مَكرَم، وقد برع هو الآخر في قول الشعر. وتمتد هذه السلسلة الأدبية لتشمل أختها الشاعرة شريفة الضّبابية، وحفيدها الشاعر زيد بن سلمى الفزاري الشُّهَاق، مما يؤكد أن الشعر كان نسقًا حياتيًا متوارثًا في أسرتها.
لم تقتصر مسيرة جحيفة الشعرية على التعبير الفردي، بل كانت طرفًا فاعلًا في السجالات الأدبية. فقد اشتهرت بمهاجاتها اللاذعة مع الشاعر ابن الدُّهَي الفَزَازي. كما كشفت عن شخصية قوية ومستقلة من خلال خلافها العلني مع زوجها الثاني، ابن عياض اللّبيدي، الذي كان شيخًا كبيرًا في السن. وبعد أن تركته، نظمَت فيه قصائد من الرجز تهجوه وتحث ابنها مكرَمًا على الابتعاد عنه. وعندما توعّدها زوجها بالقتل إن هي أنشدت شعرًا، ردت عليه بأبيات شعرية تحدت فيها تهديده، مما يبرز جرأتها وشجاعتها الأدبية.
وتُلقي قصيدة ابنها الشُّهَاق التي مدح فيها القاسم بن محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن علي بن أبي طالب، مستعطفًا إياه لإخراجه من السجن، ومذكرًا إياه ببناته وأمه الوحيدة (جحيفة)، الضوء على الظروف الاجتماعية والسياسية للعصر الذي عاشت فيه جحيفة وعائلتها، والذي يرجح أنه كان في بدايات العصر العباسي، حيث كانت الشاعرة صوتًا يعكس حياة القبيلة وتفاعلاتها وصراعاتها ضمن نسيج المجتمع العربي القديم.
الأسلوب الشعري
تتسم أساليبها الشعرية بالصراحة والحدة في الهجاء والجرأة في التعبير عن الذات والدفاع عن الحق، مع الميل لاستخدام بحور كـ"الرجز" في المواقف التي تتطلب سرعة البديهة والوصف المباشر، مما يعكس بساطة اللغة البدوية وقوتها.