السيرة الذاتية
يُعدّ الحسين بن محمد المنبجي، المعروف بدوقلة المنبجي، شخصية غامضة في تاريخ الأدب العربي، إذ ارتبط اسمه بواحدة من أشهر القصائد وأكثرها إثارة للجدل في التراث الشعري: "اليتيمة". وعلى الرغم من الشهرة الواسعة التي حظيت بها هذه القصيدة وما رافقها من قصص وروايات، يظل دوقلة نفسه في كنف المجهول، لا تُعرف عنه الكثير من التفاصيل سوى هذه الرابطة المعقدة بتحفته الشعرية المنسوبة إليه، والتي ظهرت إلى حيز الوجود الأدبي منذ القرن الثالث الهجري.
لطالما دارت حلقة واسعة من الخلاف بين علماء الأدب حول نسبة "اليتيمة"، ففي بدايات تداولها، قيل إن أربعين شاعراً قد ادعوا تأليفها، مما يعكس مدى تأثيرها وجمالها الفائق الذي أغرى الكثيرين بانتحالها. ومع مرور الزمن، انحصرت الدائرة لتشمل أسماء بارزة مثل أبي الشيص والعكوك العباسيين، وذُكر في بعض المصادر القديمة أنها لذي الرمة. وفي مفارقة لافتة، ذهب بعض الباحثين المتأخرين كصاحب "بلوغ الأرب" محمود شكري الآلوسي، وتبعه جرجي زيدان في مجلة الهلال، إلى اعتبارها من عيون الشعر الجاهلي، وهو رأي خالف التيار العام الذي يرجح انتماءها للعصر العباسي، خاصة وأن ثعلباً، إمام اللغة والنحو المتوفى سنة 291 هـ (904 م)، كان أول من أشار إلى أنها لدوقلة، مما يرسخ ارتباطها بهذا العصر.
تجاوزت شهرة "اليتيمة" حدود الجدل حول نسبتها لتمتد إلى لقب "القصيدة القاتلة"، وذلك لِما نُسج حولها من حكايات تروي أن تأليفها وإنشادها كانا سبباً مباشراً في هلاك صاحبها ومنشدها. كما عُرفت القصيدة بأسماء أخرى، منها "دعد"، نسبة إلى ملكة يمنية ذكرت في روايات القصة، ويُقال إن تسميتها بـ "اليتيمة" جاءت لفرادتها في سبكها، وقوة تشبيهاتها، وسلاسة صياغتها، ووضوح مقاصدها، كأنها فريدة عصرها التي لا تضاهيها قصيدة أخرى، أو لأن قائلها لم يُعرف له شعر سواها، فبقيت وحيدةً بلا "إخوة" من نظمه.
تتداول الحكايات الأدبية القديمة قصة مؤثرة حول هذه القصيدة، مفادها أن ملكة في اليمن دعت الشعراء للتنافس على مدحها ووصف جمالها، ووعدت الفائز بالزواج منها. وفي طريق شاعر "اليتيمة" الحقيقي إلى بلاط الملكة، اعترض طريقه شاعر آخر أقل موهبة، فبهرته روعة القصيدة، واغتال صاحبها طمعاً في الفوز بالجائزة، ثم توجه هو لإنشادها. وعندما وصل المنشد الزائف إلى بيت القصيدة: "أن تُتْهِمي فتهامة وطني / أو تُنجدي إن الهوى نجدُ"، أدركت الملكة بذكائها أن قائل القصيدة الحقيقي من تهامة بينما المنشد يدّعي أنه من نجد، فكشفت زيفه. وبعد اعترافه بجريمته، لقي حتفه، لتصبح القصيدة بذلك قاتلة صاحبها ومنتحلها على حد سواء، وتظل هوية مؤلفها الحقيقي، الحسين بن محمد المنبجي، لغزاً يضيف إلى سحر "اليتيمة" وخلودها في الذاكرة الأدبية.
الأسلوب الشعري
يتميز بأسلوب شعري رفيع السبك، وقوة التعبير، وجمال التشبيهات، وسلاسة الصياغة، وعمق المعنى، كما يظهر في قصيدته "اليتيمة".