السيرة الذاتية
جبرائيل بن ناصر بن المثنى السلمي، الذي اشتهر بلقب "النظام المصري"، كان أحد الشعراء البارزين في بدايات العصر الأيوبي، وقد عاصر فترة تأسيس الدولة الأيوبية وتوسع نفوذها في المنطقة. تعكس مسيرته الحياتية التغيرات السياسية والاجتماعية التي سادت العالم الإسلامي في القرن السادس الهجري، حيث لم تكن حياته مقتصرة على الإنتاج الشعري، بل كانت رحلة سعي وراء الرزق والحظوة في بلاطات الحكام، مستخدمًا موهبته الأدبية كوسيلة لذلك.
بدأ النظام المصري حياته المهنية معلمًا في مدينة دمشق، وتحديدًا في محيط باب جيرون، الذي كان مركزًا حيويًا للعلم والتجارة آنذاك. حظي بشهرة واسعة وكثرة طلاب، مما لفت إليه أنظار الأدباء والمؤرخين. في هذه الفترة، التقى به الأديب والمؤرخ الكبير العماد الأصفهاني، الذي أفرد له ذكرًا في موسوعته الأدبية الشهيرة "خريدة القصر وجريدة العصر". وصفه العماد بدقة، مشيرًا إلى مكانته كمعلم ذي شعبية كبيرة، مما يدل على براعته في مجاله وقدرته على التواصل الفعال، وهي سمات قد تكون قد ساعدته في بناء شبكة علاقاته ودخوله إلى دوائر السلطة.
مع بزوغ فجر الدولة الأيوبية، عاد النظام المصري إلى وطنه مصر، ساعيًا إلى التقرب من بلاطها الذي كان في طور التأسيس تحت قيادة صلاح الدين الأيوبي. نجح في تحقيق بعض الحظوة والتقدير، مؤكدًا بذلك قدرته على التكيف مع التحولات السياسية. لم تقتصر طموحاته على مصر، بل دفعته إلى رحلة أبعد نحو اليمن، حيث انضم إلى الحملة الظافرة التي قادها الملك المعظم شمس الدولة توران شاه، شقيق صلاح الدين الأيوبي، لفتح اليمن. وقد وعده توران شاه بألف دينار مكافأة على مدحه أو خدماته، ووفى الملك بوعده، ليقبض النظام المصري هذا المبلغ الكبير ويعود به إلى مصر.
بعد عودته الظافرة من اليمن، شهدت أوضاعه المالية استقرارًا ملحوظًا وازديادًا في ثروته. اشتهر بكثرة تردده على صعيد مصر، حيث زادت نعمته وازدهرت أحواله. بيد أن هذا الرخاء لم يدم طويلًا. ففي أواخر عام 572 هجري، واجه النظام المصري اتهامًا خطيرًا من والي قوص في صعيد مصر، بممالأة خارجي أو متآمر على الدولة. هذه التهمة، التي ربما عكست صراعات سياسية أو محاولات لفرض السيطرة، أدت إلى اعتقاله ومصادرة جميع أمواله. وفي شهر محرم من عام 573 هجري، الموافق 1177 ميلادي، صدر الحكم بإعدامه صلبًا في قوص، لتُختتم حياته نهاية مأساوية على يد السلطة التي سعى في بلاطها طويلًا. وتظل حياة النظام المصري رمزًا للتحديات والمخاطر التي واجهها الأدباء والشعراء في عصر التقلبات السياسية العاصفة.