السيرة الذاتية
الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي، أبو عبد الرحمن، أحد سادات قريش وشخصياتها المرموقة في حقبة الجاهلية. ينتمي إلى بني مخزوم، أحد أفرع قريش ذات النفوذ والمكانة، وهو شقيق عمرو بن هشام المعروف بأبي جهل، وابن عم القائد الصحابي خالد بن الوليد رضي الله عنهما. عُرف الحارث بشجاعته ومكانته الاجتماعية قبل الإسلام، مما جعله من أبرز المعارضين للدعوة النبوية في بداياتها. شارك في حروب قريش ضد المسلمين، فكان شاهداً على أحداث غزوتي بدر وأحد، حيث أبدى مقاومة شديدة، وفرّ من بدر بعد مقتل أخيه أبي جهل، وتجلى دوره القتالي أيضاً في أحد.
بعد سنوات من الصراع، شهد التاريخ تحولاً جذرياً في حياة الحارث بن هشام مع فتح مكة في العام الثامن الهجري. في هذا اليوم العظيم، أعلن الحارث إسلامه وتوبته الصادقة، مؤكداً عزمه على تسخير كل ما يملك في سبيل الله ورسوله، كما نُقل عنه قوله: "لا أدع وادياً سلكته في قتال رسول الله إلا سلكته في سبيل الله، ولا أدع درهماً أنفقته في قتاله إلا أنفقت مثله في طاعة الله ورسوله". وقد كانت هذه الكلمات تعبيراً عن صدق نيته وعمق إيمانه الجديد. تقديراً لمكانته ودوره، ولتأليف قلبه وقلوب أمثاله من سادات قريش الذين دخلوا الإسلام حديثاً، منحه النبي محمد صلى الله عليه وسلم مائة من الإبل من غنائم غزوة حنين، ضمن فئة "المؤلفة قلوبهم".
لم يقتصر إسلام الحارث على الكلمات، بل تجلى في أفعاله بعد وفاة النبي الأكرم. انخرط في جيوش الفتح الإسلامي، موجهاً شجاعته وفراسته نحو نشر رسالة الإسلام والدفاع عنها. شهد بطولات بارزة في بلاد الشام، فكان له دور مشهود في معارك حاسمة مثل أجنادين وفحل واليرموك، حيث أظهر بسالة قل نظيرها في مواجهة الروم. اختلف المؤرخون في تحديد سنة وفاته؛ فالرأي الراجح أنه استشهد بطلاً في ساحة معركة اليرموك الخالدة في السنة الخامسة عشرة للهجرة، بينما ذهب آخرون إلى أنه توفي متأثراً بطاعون عمواس في السنة الثامنة عشرة للهجرة. وبهذا ختم الحارث بن هشام حياته مجاهداً، بعد أن كان خصماً عنيداً للإسلام، ليصبح نموذجاً للتوبة الصادقة والتفاني في سبيل الله، ومصداقاً لقوله تعالى في تحويل القلوب.
إلى جانب مكانته الجهادية والاجتماعية، يُعد الحارث بن هشام من الشعراء المخضرمين، أي الذين عاصروا فترتي الجاهلية والإسلام وأنتجوا الشعر في كلتيهما. وإن لم يُجمع له ديوان خاص يصل إلينا، إلا أن وجود أشعار منسوبة إليه يؤكد قدرته الفنية وموهبته الأدبية التي كانت جزءاً لا يتجزأ من تكوينه الثقافي كفارس وقائد في مجتمعه.
الأسلوب الشعري
اتسم شعره في فترة الجاهلية بالفخر والفروسية، ثم تحول بعد إسلامه ليعكس القيم الإسلامية، مع الحفاظ على جزالة اللفظ وقوة المعنى التي تميز بها شعراء العصر المخضرم.