السيرة الذاتية
كان الأشعر الرقبان الأسدي، واسمه الأصلي عمرو بن حارثة، من شعراء العصر الجاهلي البارزين الذين عكست حياتهم وتقلباتها جوهر تلك الحقبة المضطربة. لم يكن مجرد شاعر فحسب، بل كان شخصية محورية عاشت أحداثًا جسامًا طبعت مسيرته الأدبية والشخصية. ينتمي الأشعر إلى قبيلة بني أسد، إحدى القبائل العربية الأصيلة التي عرفت بقوتها وبأسها في الجزيرة العربية، ما أسهم في تشكيل سماته الشخصية والشعرية.
برز اسمه على إثر حادثة مأساوية ارتبطت بشخصية عظيمة النفوذ في زمانه، الملك عمرو بن هند، ملك الحيرة اللخمي الشهير، الذي كان يُعرف ببطشه وسطوته. كان لأخي الأشعر منزلة المقرب ونديمًا للملك، غير أن خطأً ما بدر من الأخ أو أسيء فهمه، أو ربما بسبب تقلبات مزاج الملك المعروف ببطشه، أدى إلى إقدام عمرو بن هند على قتله. في مجتمعٍ تقوم فيه قيم الشرف والثأر مقامًا رفيعًا، لم يكن أمام الأشعر الرقبان سوى درب واحد: الانتقام. وقد تجلت شجاعته وجسارته في إقدامه على فعلٍ وُصف بالجسارة البالغة، حينما اغتال ولدين للملك عمرو بن هند، تحديًا مباشرًا لسلطان الملك المطلق، وخلّد فعلته هذه بقصيدة شعرية حماسية تُعد من عيون الشعر الجاهلي في باب الثأر والفخر، مؤكدًا بذلك على مبادئ الشجاعة وحماية العشيرة التي كانت جوهر الفارس الجاهلي.
لم تقتصر أشعار الأشعر الرقبان على الفخر والثأر، بل شملت جوانب أخرى من الحياة الاجتماعية. فقد روت المصادر الأدبية قصة له مع ابن عمه، رضوان الأسدي، أظهر فيها جانبًا من نقده اللاذع وتعبيراته الحادة. حيث يُقال إنه عيّر ابن عمه بالبخل في أبيات شعرية أصبحت تُضرب بها الأمثال، ما يُظهر امتلاكه لقدرة شعرية على الهجاء، وهو فنٌ كان له وزنه في الشعر الجاهلي للتوبيخ والتقريع، وتثبيت قيم الكرم والشهامة التي كانت تُعلي من قدر الفرد في القبيلة.
حظي الأشعر الرقبان بذكرٍ في مؤلفات النقد الأدبي والتاريخ. فقد أورده أبو القاسم الآمدي في كتابه "المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء" ضمن الشعراء الذين يحملون لقب "الأشعر"، وهو ما يشير إلى شهرة لقبه وتميزه به. كما جاء ذكر لقبه "الرقبان" في "مجمع الأمثال" للميداني، لكن اللافت هو الإشارة إلى وجود رواية أخرى له باللقب "الزفيان" (بالزاي والفاء والياء)، مما قد يعكس تباين الروايات الشفهية عبر الأجيال أو اختلافات في النقل. وبغض النظر عن تفاصيل لقبه، فإن ما بقي من شعره القليل يظل شاهداً على موهبته الفذة وقدرته على تجسيد روح العصر الجاهلي بقيمه وصراعاته في قالب شعري متين. يعتبر الأشعر الرقبان بذلك مثالاً للشاعر الجاهلي الذي لم تُحفظ له دواوين كاملة، لكنّ أخباره وأشعاره القليلة المحفوظة تركت بصمة واضحة في تاريخ الأدب العربي.
الأسلوب الشعري
الفخر، الثأر، الهجاء، أسلوب قوي ومباشر يعكس قيم الفروسية والشجاعة الجاهلية.