السيرة الذاتية
عبد الغفار بن عبد الواحد بن وهب، المعروف بلقبه الخالد "الأخرس"، هو أحد أبرز فرسان الكلمة في العراق خلال القرن التاسع عشر الميلادي، وشخصية محورية في المشهد الأدبي الذي سبق عصر النهضة العربية. وُلد هذا الشاعر الفذ في مدينة الموصل العريقة عام 1804م (1218هـ)، ونشأ بين ربوعها ومدينة بغداد التي كانت آنذاك مركزًا ثقافيًا مزدهرًا، حيث تلقى تعليمه وتشكلت موهبته الفطرية.
برز الأخرس في فترة مبكرة من حياته كشاعر موهوب، لكنه في العشرينات من عمره أُصيب بكبوة في لسانه جعلت الناس يلقبونه بالأخرس، وهو لقب لا يعكس فصاحته الشعرية ولا بلاغة بيانه. وقد تجلت عزة نفسه وإباؤه في حادثة شهيرة حين أرسله والي بغداد، داود باشا، إلى الهند في محاولة لعلاجه، فرفض الأخرس العلاج الذي كان يرى فيه مساسًا ببعض من كيانه، وصرح بمقولته الخالدة: «لا أبيع بعضي ببعض»، مفضلاً الحفاظ على طبيعته على أمل الشفاء بطرق أخرى، أو ربما تعبيرًا عن قناعة ذاتية عميقة. هذا الموقف يكشف عن روح مستقلة غير خاضعة، تقدر الأصالة على المظاهر.
تلقى عبد الغفار الأخرس العلم على يد كبار علماء عصره، ومنهم المفتي الجليل أبو الثناء الآلوسي، الذي كان له أثر بالغ في تكوين شخصيته الفكرية والأدبية. وبفضل نبوغه، سرعان ما استقطب اهتمام النخب الأدبية في بغداد، وخاض سجالات ومناظرات شعرية، كان من أشهرها منافساته الهجائية مع الشاعر عمر الهيتي، والتي لم تمنعه من أن يرثيه بمرثاة مؤثرة بعد وفاته، ما يدل على سعة صدره ونبل طباعه. كان الأخرس شخصية اجتماعية بارزة، معروفًا بكرمه المعهود وترحاله المستمر بين المدن، حيث كان "فارسًا في الكرم" يُضرب به المثل، وكان لخطه الجميل الواضح دور في حفظ قصائده وتناقلها بين الناس قبل جمعها.
امتاز شعر الأخرس بجمال السبك وجودة الصياغة، وحمل بين طياته قوة التعبير وعمق الفكرة، مع ذوق رفيع وبصيرة شعرية نافذة. لم يقتصر إبداعه على غرض واحد، بل تنوعت أغراض قصائده بين المديح، والرثاء، والغزل، والهجاء، والوصف، مما يعكس شمولية موهبته واطلاعه الواسع على فنون الشعر. وقد جُمع ديوانه القيم تحت عنوان "الطراز الأنفس في شعر الأخرس" على يد أحمد عزت باشا الفاروقي، ونُشر في الآستانة عام 1886م (1304هـ)، ليظل مرجعًا مهمًا لدراسة الشعر في تلك الحقبة. وافته المنية في يوم عرفة من عام 1873م (1290هـ) بمدينة البصرة، وشُيع جثمانه في موكب مهيب شهدته المدينة، ودفن في مقبرة الإمام الحسن البصري بالزبير، تاركًا خلفه إرثًا شعريًا وفكريًا ما زال صدى تأثيره قائمًا في تاريخ الأدب العربي.
الأسلوب الشعري
تميز شعره بفصاحة البيان وجزالة اللفظ، وغلب عليه الأسلوب البلاغي الرفيع مع ذوق فني مرهف وبصيرة عميقة. تناول الأغراض الشعرية المتنوعة ببراعة، من المدح والرثاء إلى الهجاء والغزل، عاكسًا خبرته الحياتية الواسعة وقدرته على استكشاف تفاصيل الوجود.