العودة للتصفح

غني لي ياأمي ..وانتظريني

حمدة خميس
أسندي رأسكِ المتعب على صدري...
واسنديني.
رأسكِ المتعب بالحنين، المملوء بغبار السنين، وخبب النوق،
بحداء الصحارى، وأريحية الفرسان.
أسندي رأسكِ على صدري وحدثيني:
عن صوتكِ المغنّاج يرنّ في غزلِ الصحارى.
عن الليل البارد الذائب في أوردَة العشاق.
صوتكِ الراعش بالإخضرار،
صوتكِ العذب الذي تحضنه الريح،
تسافر به، وتَنثره على وحشةِ القوافل في ضجيج القيظ ووهج الأنفاس.
صوتكِ الذي يردّده البدو في حدائهم المكتظ بالحنين،
فيُرطّب الليل، ويُزهِر النهار.
غنّي لي يا أمي
وانشدي قصائدكِ التي حفظتها
منذ صباكِ المضيء حتى عتمةِ القبر:
{ مريت على القنطرة والقنطرة تيري
وقلت يالقنطرة مرّوا عليچ أهلي
مرّت خشبهم وتمّت ادمعتي تيري
تيري كما الغاف والغفغاف والسدري }
والسدرُ يطرح الرازقي، حين يعبر اشتعالُ حنجرتكِ
بالحنين، وبسيول الأمطار، محمّلة بالخصب إلى الوديان.
غني يا أمي، وهزّيني على سرير حضنكِ
أنا طفلة عرفت مذاق النوم، وقُزَح الأحلام
فوق صدركِ، وتحت كمّ ثوبكِ الواسع كالمحيط.
أنتِ المحيط، يا أمي...
وأنا أبدًا راكضة، علمتني العوم،
وفتحتِ ثغوركِ لجنون مراكبي.
وها أنا، يا أمي،
تنخر القارضة صواريّ
وتهجرني الرياح.
أين أنصب الأشرعة إذًا؟
وكيف تبحر المجاديف بي نحو شواطئ قلبك؟
غني يا أمي، ليصير صوتكِ نبعًا
ينفجر بالعذوبة،
فالملح يشقق شراييني،
والينابيع بعيدة... نحو ذراعيكِ،
وأنا الظامئة المسهدة،
الحزن يسرق لذة النوم، فهدهديني:
(حبيتچ يا بنيتي محبة الأهل والغنى
ومحبة الضنا ما دونها دون
حبيتچ يا بنيتي محبة تدعي الملح سكّر
وتدعي عويدات الثمام قرون)
لتكن محبتكِ الصواري،
وذراعاكِ أشرعتي،
وصوتكِ كوس الرياح.
هزّيني على سرير صدركِ،
وتساقطي على جوعي رُطبًا...
واجْنيني.
غني يا أمي،
وانثري قصائدكِ في أرجاء البيت،
كما عوّدتِنا كل يوم.
غني،
وأسندي رأسكِ المتعب بثقل السنين على قلبي،
ودعيني أُحصي عروق الفضة في مدائن شعركِ الليلي العاشق،
وأنقُشك بروائح المحار فوق المنارات،
لعلّ حائرًا يُنازعه الموت
تلوح له عروق الفضة،
فيرتعش ماءُ الحياة في دمه،
وتنتفض العصافير في أوراقه الذابلة،
فيمدّ لكِ جذور الشوق للولادة
ويمتطي إليكِ الشعاع.
فحيث تلوحين، يا أمي، في الحلم أو اليقظة،
تشق عنان التاريخ صرخاتُ الولادة،
وحيث ينبثق وميضُ حضوركِ،
تنهار العتمة، وتنسحق الحراب.
امسحي دمعكِ المتعب، يا أمي،
فمساحة اليابسة ضيقة،
ودمعكِ الطوفان.
ألبسيني خاتمًا أخضر في إصبعكِ،
وغطّيني بكمّ ثوبكِ المطرّز بالمحبة،
المندى بـ"عود" التضحية، و"عنبر" الحنان.
رشّي ماء وردكِ على وجهي،
كي تستفيق في عيوني
المدنُ المزهوّة برنين الظلال،
وثرثرة العصافير، وأجراس الطفولة.
خذي قامتي المتيبّسة،
وتضاريسي التي نحتها الملح، ومطارق السنين،
واعجنيها في خبزكِ المجدول
بحليب الأمومة ورقة اللمس.
آه من قدرة الخلق في أصابعك، يا أمي...
بين أصابعكِ يضحك الأطفال،
وتحبل المواسم.
فيا أيتها الأصابع التي تُبدع الخبز، والقهوة، والرطب،
أعيدي خلقي وتكويني:
من الضياء،
كي أتّحد بالماء والتراب،
فألِد الأجنة، والبصائر، والثمر.
خيّطي لي ثوب المهد،
واضفري شعري بحنان أصابعكِ،
وغني لي...
غني يا أمي... وانتظريني!
قصائد شوق