العودة للتصفح

على تل الرمال

نازك الملائكة
لم يزل مجلسي على تّلي الرم
ليّ يصغي إلى أناشيد أمسي
لم أزل طفلة سوى أنني قد
زدت جهلا بكنه عمري ونفسي
ليتني لم أزل كما كنت قلبا
ليس فيه إلا السّنا والنقاء
كلّ يوم أبني حياتي أحلا
ما وأنسى إذا أتاني المساء
أبدا أصرف النهار على التل
وأبني من الرمال قصورا
ليت شعري أين القصور الجميلا
ت وهل عدن ظلمة وقبورا؟
ايه تلّ الرمال ماذا ترى أبـ
ـقيت لي من مدينة الأحلام؟
أنظر الآن هل ترى في حياتي
لمحة غير نشوة الأوهام؟
ذهب الأمس لم أعد طفلة تر
قب عش العصفور كلّ صباح
لم أعد أبصر الحياة كما كنـ
ـت رحيقا يذوب في اقداحي
لم أعد في الشتاء أرنو الى الأم
طار من مهدي الجميل الصغير
لم أعد أعشق الحمامة إن غّنـ
ـت والهو على ضفاف الغدير
كم زهور جمعّتها لم تذر من
ها الليالي شيئا سوى الأشواك
كم تعاليل صغتها فنيت إلا
خيالا يؤود قلبي الباكي
آه يا تلّ ها أنا مثلما كنـ
ـت فأرجع فردوسي المفقودا
أي كفّ أثيمة سلبت رم
لك هذا جماله المعبودا
كنت عرشي بالأمس يا تلّي الرمـ
ـليّ والآن لم تعد غير تلّ
كان شدو الطيور رجع أناشي
دي وكان النعيم يتبع ظلّي
كان هذا الوجود مملكتي الكبـ
ـرى فيا ليتني أعود إليها
ليت هذي الرمال تسترجع السحـ
ـر وليت الربيع يحنو عليها
لم أعد أستطيع أن أحكم الزهـ
ـر وأرعى النجوم في كل ليل
هل أنا الآن غير شاعرة حيـ
ـرى وهل غير هيكلي المضمحلّ؟
ذهب الأمس والطفولة واعتضـ
ـت بحسّي الرهيف عن لهو أمسي
كل ما في الوجود يؤلمني الآ
ن وهذي الحياة تجرح نفسي
أين لون الزهار لم أعد الآ
ن أرى في الزهار غير البوار
كلما شمت زهرة صوّر الوهـ
ـم لعينيّ قاطف الأزهار
أين شدو الطيور ما عدت ألقى
في صفاه من يأس قلبي خلاصا
كل لحن لصادح يتلاشى
في ادّكاري الصّياد والأقفاصا
أين همس النسيم لم تعد الأن
سام تغري قلبي بحب الجمال؟
فغدا يهمس النسيم بموتي
في عميق الهوى وفوق الجبال
أين مّني مفاتن القمر السا
حر والصيف والظلام المثير؟
لم أعد أعشق الظلام غدا أر
قد تحت الظلام بين القبور
ها أنا الآن تحت ظلّ من الصف
صاف والتين مستطاب ظليل
أقطف الزهر ان رغبت وأجني الثـ
ـمر الحلو في صباحي الجميل
وغدا ترسم الظلال على قبـ
ـري خطوطا من الجمال الكئيب
وغدا من دمي غذاؤك يا صفـ
ـصاف يا تين أيّ ثأر رهيب
ذاك دأب الحياة تسلب ما تعـ
ـطيه بخلا لا كان ما تعطيه
تتقاضى الأحياء قيمة عيش
ضمهم من شقاه أعمق تيه
هي هذي الحياة ساقية السمّ
كؤوسا يطفو عليها الرحيق
أومأت للعطاش فاغترفوا من
ها ومن ذاقها فليس يفيق
هي هذي الحياة زارعة الأش
واك لا الزهر, والدجى لا الضياء
هي نبع الآثام تستلهم الشر
وتحيا في الأرض لا السماء
قصائد حزينه