العودة للتصفح

في الشارع الفضي

أحمد بشير العيلة
في الشارع الفضيّ
عند اللفةِ الأولى يساراً
مشتِ البيوت على حبال غسيلها
لتصيحَ عند الفجرِ كالديكة
وأنا غريبٌ لم تناديني البيوت
لم تحاورني النوافذُ والعماراتُ الطويلة
كان هذا الحيُّ موسيقى
تمرُّ على التساؤل كالغزال أمام عيني
كان يشرد من عيوني كالوميض
كان هذا الحيُّ مكتفياً بمن سكنوه
وأنا الغريب
أذوبُ كالبرق الطويل أمام ريبتِهم.
في الشارع الفضي كان السوق وشماً في ذقون الناس
وزخرفةً من الحناء في أيدي الصبايا
والبضائعُ كاليعاسيب الكثيرة فوق ماء وجودهم
الأسعارُ ومضاتٌ من الخلخالِ في قدم التسوّق
وأنا الغريبُ
أمدُّ للتجار كفاً من بخار
كانت عيون الناس ترصد مشيتي
وأنا أذوب أمامهم في حرِّ هذا الحيّ
ومياه أمتعتي تُبَدَّدُ من إطاراتٍ تمرُّ بسرعةٍ نحوي
فأصرخُ للفراغ.
في الشارع الفضي
كانت مثل كأسٍ من كرستالٍ رشيق
وقفتْ أمامي وهي تمتليء اشتهاءً بالندى
قالت:
"تفضل يا غريب"
فشربتُ بسمتها وضعتُ عن الخرائط
قالت:
"تمهّل يا غريب"
علّقت أجنحتي على ضوءٍ تداخل في زجاج حضورها
قسّمت روحي بين أذرعها؛ وغبتْ
فلتَ البنفسج من ذراعي حين قررتُ العناق
ملأ البنفسجُ ما تيسر من فراغاتِ الأحاديث الكثيرة في الطريق
ارتفع البنفسج قامتيْن على هواء طريقهم
مدّ البنفسجُ ألفَ سطرٍ في الذهول
وأنا
مع الكأس الزجاجيِّ المعبّأِ بالندى
رجلٌ عجول
فأنا غريبٌ؛ والغريبْ
مستعجلٌ أبداً
فهناك خلف الوقت بيتٌ ينتظر.
في الشارع الفضيّ
في اللفة الأولى يساراً
كانت الشرفاتُ فاكهةً معلقةً على الأغصان
وعلى حبال غسيلهم؛
علّقوا أسرارَهم لتجف من طول الرطوبةِ في الصدور
علقوها بالملاقط
كالصور التي تحتاج ضوءً للظهور
وأنا الغريب
أمرُّ تحت حبالهم
أتلو المعوذة التي تحمي سقوطَ سرٍّ فوق صدري
للأسرار شوكٌ وهي تدخلُ في الصدور
تولد الأسرارُ والسكين معها
فلا تمشي إلى سرٍ
ابتعد عن مقتلك.
في الشارع الفضيّ
وأنا أصوّر أسطرَ الأسرار
جفلتْ وطارتْ
هاجت نساءٌ وهي تنظر لي من الشرفات
ألقيْنَ الشتائمَ والملاقط والأصص الثقيلة فوق رأسي
"امضِ بعيداً يا غريب
أسرارُنا طارت؛ فكيف نرجعها؛ لقد ضيعتها"
نزل الرجالُ إلى مداخلهم
ونادوا الياسمين لكي يعرّش فوقها
خبرتهم تقولُ؛ بأن عطرَ الياسمين
صيادُ أسرارٍ عجيب،
من يومها
صار الغريبُ عريشةً للياسمين
يصطادُ أسرارَ البقاء
ويعيدها لصدورهم.
نثرَ الغريبُ الياسمين
متجولاً في الشارع الفضيّ
عند اللفةِ الأولى يساراً
قرب الكأس، عند السوق، في الشرفات
فصار الناس موسيقى
إذا صعدتْ
يحادثها عن الوطنِ البعيد.
أحمد بشير العيلة
5/11/2014
قصائد وصف